في يوم المرأة قصص "ذات": نساء يحوّلن الإعاقة إلى نجاح رغم مشاركة 5.2% في سوق العمل

في وقت ما تزال فيه مشاركة النساء في سوق العمل تواجه تحديات متعددة، تبرز قصص نساء ذوات إعاقة استطعن تحويل التحديات إلى فرص، وكسر الصور النمطية التي طالما حصرت دورهن في دائرة الرعاية بدلا من الشراكة والإنتاج.

نماذج ملهمة تتجسد في قصص عايدة التي بدأت العمل في الظل قبل أن تتمكن من افتتاح بقالة صغيرة فلم يكن حلما بسيطا بالنسبة لها، بل رحلة طويلة من التحديات التي واجهتها كامرأة من ذوات الإعاقة في مجتمع كثيرا ما ينظر إلى الإعاقة باعتبارها عائقا لا فرصة.

وإلهام التي تنحني فوق قطعة نحاس تشكلها بيديها بعناية، لتحولها إلى لوحة فنية تحمل بصمتها الخاصة، أما زهرة التي تعيش مع إعاقة بصرية، فتقود ضحكات الأطفال يوميا في قسم الألعاب داخل أحد المراكز التجارية، حيث تدير أنشطة ترفيهية بحيوية لا تخطئها العين.

قصص نساء أردنيات تبدو مختلفة في تفاصيلها، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة، وهي تحويل الإعاقة من حاجز إلى دافع للإنجاز.

هذه القصص ليست استثناء فرديا فحسب، بل جزء من واقع أوسع يسلط الضوء عليه المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال سلسلة أفلام "ذات"، التي أطلقت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لتكشف عن نماذج نسائية استطعن كسر العزلة الاجتماعية والاندماج في سوق العمل رغم التحديات.

 

 

مشاركة اقتصادية محدودة

لكن خلف هذه القصص الملهمة تقف أرقام تكشف فجوة كبيرة،  إذ تشير البيانات إلى أن نسبة تشغيل النساء ذوات الإعاقة في المملكة لا تتجاوز 5.2% فقط، وهو ما يعكس حجم التحديات التي ما تزال تعيق مشاركتهن الاقتصادية.

تؤكد رئيسة لجنة المرأة في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة روان بركات في حديثها لـ"عمان نت" أهمية تقييم واقع تمكين المرأة اقتصاديا في الأردن،  خاصة النساء ذوات الإعاقة.

وتوضح أن المشاركة الرسمية للمرأة في سوق العمل ما تزال منخفضة، إذ تتراوح بين 13 و14%، مشيرة إلى أن عددا من النساء يعملن في الاقتصاد غير المنظم، مما يحرمهن من الكثير من حقوق العمل الأساسية مثل الحماية الاجتماعية والضمانات القانونية.

وتوضح أن مشاركة النساء ذوات الإعاقة أقل بكثير من هذا المتوسط، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الحرمان من فرص التعليم، والحواجز الاجتماعية داخل الأسرة، إضافة إلى التصورات النمطية لدى بعض أصحاب العمل حول قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على أداء مهام العمل.

ورغم هذه التحديات، ترى بركات أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا ملحوظا في إدماج النساء ذوات الإعاقة ضمن برامج التمكين الاقتصادي، حيث بدأت بعض المؤسسات تضمهن إلى جانب النساء غير ذوات الإعاقة في برامج التدريب والتشغيل.

 

 

تحديات متعددة أمام العمل

تقرير "بيت العمال" يشير إلى أن نحو 16% فقط من إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة في سن العمل يعملون فعليا، مع فجوة كبيرة بين الجنسين، إذ لا تتجاوز نسبة النساء ذوات الإعاقة الشديدة العاملات 9 %، مقابل نحو 50 %من الرجال ذوي الإعاقة الشديدة.

توضح بركات أن دخول النساء ذوات الإعاقة إلى سوق العمل يواجه جملة من التحديات، تبدأ من محدودية الوصول إلى التعليم، مرورا بالعوائق الاجتماعية والثقافية، وصولا إلى معايير التوظيف لدى بعض الشركات التي قد تفترض مسبقا عدم قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على تلبية متطلبات العمل.

وفي إطار دعم التمكين الاقتصادي لهذه الفئة، تعمل لجنة المرأة في المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على إدماج النساء ذوات الإعاقة في برامج التمكين الاقتصادي القائمة، بدلا من حصرهن في برامج منفصلة، بما يعزز مشاركتهن كجزء من العملية الاقتصادية لا كمستفيدات معزولات عنها.

وتضيف بركات أن جهود التمكين الاقتصادي تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية تشمل القطاع العام، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، مؤكدة أن التنسيق بين هذه الجهات ضروري لتوفير فرص عمل عادلة ومتساوية.

وفيما يتعلق بدور الإعلام، تشير بركات إلى أن سلسلة أفلام "ذات" تهدف إلى تغيير الصورة النمطية حول الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال إبراز قصص نجاح واقعية لنساء استطعن خلق فرص عمل لأنفسهن أو الاندماج في سوق العمل رغم التحديات.

وتوضح أن بعض المشاركات في السلسلة لم يتمكن من استكمال تعليمهن، لكنهن نجحن في بناء مشاريعهن الخاصة أو العمل في القطاع الخاص وإنتاج أعمالهن بأنفسهن ، مشيرة إلى أن الدراسات تشير إلى أن فوائد توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة لا تقتصر عليهم فحسب، بل تمتد أيضاً إلى أصحاب العمل.

فعلى سبيل المثال، ساهمت مشاركة أشخاص ذوي إعاقة في شركات التكنولوجيا الرقمية في تحسين جودة التطبيقات والألعاب الإلكترونية، كما ساهمت مشاركتهم في قطاع الخدمات، مثل المطاعم، في رفع جودة الخدمة، مؤكدة أن الهدف من هذه المبادرات هو زيادة وعي المجتمع وأصحاب العمل بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يفتح المجال أمام فرص تشغيل أكبر للنساء.

 

فجوة بين الخطاب والواقع

في السياق ذاته، يدعو  تقرير بحثي أصدره مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية ضمن برنامج المرصد العمالي الأردني إلى تبني إصلاحات تشريعية وسياسات اقتصادية واجتماعية شاملة لتعزيز العدالة الاقتصادية للمرأة في سوق العمل الأردني، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من آذار من كل عام.

ويشير التقرير إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول تمكين المرأة والواقع الفعلي لمشاركتها الاقتصادية، مؤكداً أن ضعف اندماج النساء في سوق العمل لا يرتبط فقط بالعوامل الاجتماعية والثقافية، بل يتصل أيضاً ببنية السياسات الاقتصادية ومنظومة الحماية الاجتماعية في الأردن.

كما يبين التقرير إلى أن هذه التحديات تتفاقم في ظل السياق الإقليمي المعقد، حيث تسهم حالة عدم الاستقرار في المنطقة في خلق بيئة سياسية واقتصادية صعبة تؤثر على فرص التنمية وسوق العمل، وهو ما ينعكس بشكل خاص على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء.

وتظهر البيانات المتاحة فجوة واضحة في فرص التشغيل بين النساء ذوات الإعاقة وبقية الفئات في سوق العمل.

فبحسب تقرير صادر عن المنصة العربية للإدماج الرقمي، استنادا إلى بيانات تعداد سكاني لعام 2015 في الأردن، فإن نسبة تشغيل النساء ذوات الإعاقة في الفئة العمرية بين 15 و64 عاما لا تتجاوز 5.2 %، مقارنة بنحو 13.5% للنساء غير ذوات الإعاقة.

كما تشير البيانات إلى أن معدل تشغيل الرجال ذوي الإعاقة يبلغ نحو 32.8%، مقارنة بنحو 61.4 % للرجال غير ذوي الإعاقة، مما يعكس فجوة واضحة في فرص العمل.