رغم وفرة المخزون… الغلاء يقلق الأردنيين أكثر من نقص السلع

رغم التطمينات الحكومية المتكررة حول وفرة المخزون الغذائي في الأسواق، إلا أن القلق لدى الأردنيين لم يعد يتمحور حول توفر السلع بقدر ما أصبح مرتبطا بالقدرة على شرائها، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، وما يرافقها من توترات مرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتداعياتها المحتملة على سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

تقديرات دائرة الاحصاءات العامة تشير إلى أن نسب الفقر تلامس نحو 24%، فيما تتجاوز نسب البطالة 21%، وهي مؤشرات تضغط بشكل مباشر على سلوك الاستهلاك، وتدفع شرائح واسعة من المواطنين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المعيشية.

هذا الواقع انعكس على مواطنين من خلال تغيير سلوكهم الاستهلاكي، حيث اتجه البعض إلى تخزين  السلع الأساسية والمحروقات، تحسبا لأي ارتفاعات قادمة، فيما اختار آخرون تقليص استهلاكهم خوفا من موجة غلاء جديدة.

في جولة ميدانية، تباينت ردود أفعال المواطنين بين مؤيد ومعارض لفكرة التخزين، حيث تقول إحدى السيدات إنها قامت بتخزين عدد من المواد الغذائية الأساسية، مثل المعلبات والسكر والأرز والزيت، مشيرة إلى أن هناك أشخاصا آخرين اتجهوا أيضا لتخزين الكاز وأسطوانات الغاز والطحين والمياه، مضيفة أنها لاحظت خلال حديثها مع أحد سائقي التكسي أن كثيرين بدأوا بالفعل بتخزين المياه والتمر، مشيرة إلى وجود ارتفاع ملحوظ في أسعار مختلف المواد الغذائية، بما في ذلك الألبان والخضار والفواكه.

من جانبه، يعبر أحد المواطنين عن استيائه من الغلاء، مؤكدا أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير، ويقول إن الدخل لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات، موضحا أن طبيعة عمله كسائق تكسي تجعله يعتمد على دخل يومي، وبالتالي لا يستطيع التخزين، لأن رزقنا يوم بيوم، على حد تعبيره.

بدوره، يشير مواطن آخر إلى أنه يفضل شراء المواد التموينية أولا بأول، مؤكدا أن جميع السلع أصبحت مرتفعة الثمن، وأن الوضع الاقتصادي الحالي صعب، حيث يعتمد الكثير من الناس على العمل اليومي لتأمين قوتهم، مضيفا  أن بعض المواطنين يلجؤون إلى الاستدانة من أجل تلبية احتياجاتهم، بينما يتجه آخرون إلى التخزين بدافع الخوف من ارتفاع الأسعار أكثر في ظل الأوضاع الإقليمية، مشيرا إلى الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم والدواجن، مبينا أن أسعار اللحوم تتراوح بين 8 و10 دنانير للكيلوغرام، وقد تصل إلى أكثر من ذلك للحوم البلدية.

وفي المقابل، تقول إحدى السيدات إنها لا تقوم بتخزين أي مواد، مؤكدة أن دخلها لا يسمح بذلك، مضيفة "أنا أشتري حسب الحاجة فقط، ولا أؤيد التخزين، لكن يمكن ترشيد الاستهلاك في ظل الوضع الاقتصادي الصعب."

كما تؤكد سيدة أخرى رفضها لفكرة التخزين، مشيرة إلى أن الأفضل هو شراء الاحتياجات بشكل معتاد، سواء بشكل أسبوعي أو شهري حسب قدرة الأسرة، موضحة أنها لم تقم بتخزين أي مواد، لأن ذلك غير ضروري، خاصة في ظل محدودية الدخل وارتفاع الأسعار، حيث إن الرواتب لم تعد تتحمل أعباء إضافية مثل التخزين.

من جانبها، تؤكد وزارة الصناعة والتجارة والتموين أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية في المملكة يكفي لفترات تتراوح بين 6 إلى 8 أشهر، خاصة من القمح والشعير والأرز والسكر، مشددة على أن الأسواق المحلية تشهد تزويدا منتظما دون أي انقطاعات.

 

غريزة الحماية.. وتراجع الدخل

يفسر الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور قاسم الحموري، حالة التهافت بأنها سلوك طبيعي، نابع من غريزة الحماية الذاتية، والأسرية أمام مشاهد الحروب والدمار المحيطة بالمنطقة، خصوصا الكهرباء التي قد تنقطع، وبالتالي وجود شموع أو مصابيح تعمل بالوقود أو الغاز يطمئن الأسرة نفسيا، ولا يشكل عبئا ماليا كبيرا.

ويرى الحموري أن نصائح عدم التخزين قد لا تجد صدى واسعا لأن المواطن يتأثر بما يراه من حصار وتجويع في مناطق الجوار، مؤكدا أن وضع الأردن مختلف تماما من حيث أمان طرق الاستيراد عبر البحر الأحمر والمنافذ البرية المستقرة نسبيا.

ويوضح أن القوة الشرائية للأردنيين في تراجع مستمر منذ 15 عاما، حيث تعيش نحو 70% من الأسر يوما بيوم، محذرا من فخ التخزين غير الآمن للمحروقات، مشددا على ضرورة التركيز على السلع ذات القيمة الغذائية العالية والقابلة للحفظ الطويل مثل التمور والبقوليات مثل العدس والفاصوليا، بدلا من اللحوم التي لا تصلح للتخزين الطويل.

ويشدد على أن الأهم هو مراعاة السلامة العامة، حيث يجب على الأسر تجنب تخزين مواد خطرة مثل القناني الغازية أو البنزين بطريقة غير آمنة، لأن الضرر قد يحدث بسبب سوء التخزين وليس الحرب نفسها.

 

 

أما فيما يتعلق بسلوك التجار، فقد لاحظ الحموري موجة غلاء غير مبررة، حيث تضاعفت أسعار بعض البضائع حتى وإن كانت مخزنة سابقا، مع محاولات لرفع أسعار مواد بسيطة خلال مناسبات معينة، ويرى أن هذه الظاهرة مرتبطة بثقافة تجارية راسخة لدى بعض التجار، إذ يعتقدون أن أي مناسبة أو موسم يستدعي رفع الأسعار لتحقيق أرباح أكبر، مضيفا بأنه من الصعب تغيير هذه الثقافة بسرعة، ويحتاج الأمر إلى وعي المواطن أيضا، بحيث يتجنب شراء السلع إذا لاحظ أي ارتفاع غير مبرر، فمقاطعة البضائع تصبح سلاحا أقوى من الرقابة الحكومية في مواجهة الغلاء.

من جانبها تؤكد وزارة الصناعة والتجارة أنها نفذت آلاف الجولات الرقابية خلال الأشهر الماضية، وحررت مئات المخالفات بحق تجار رفعوا الأسعار دون مبرر، داعية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات.

كما يشدد نواب على ضرورة الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار، مطالبين الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة لضبط الأسعار، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية.

 

تحذيرات من تخزين الوقود

وكان الموقف الرسمي حازما تجاه ممارسات تخزين البنزين في المنازل، حيث منعت هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن بيع البنزين بالجالونات ومنع تخزينه، مؤكدا أن تخزين المشتقات النفطية يشكل خطرا على سلامة المواطنين.

ويأتي الهدف من هذا التعميم الحفاظ على استدامة المشتقات النفطية في السوق المحلي ومنع التهافت عليها، داعية المواطنين إلى الالتزام بالإجراءات والتعليمات الصادرة عن الهيئة. 

الخبير في مجال الطاقة هاشم عقل يطمئن المواطنين بوجود مخزون استراتيجي كاف وخطط استباقية جاهزة للتعامل مع أي نقص محتمل، وأن الأردن لم يشهد أي تقنين في استهلاك البنزين أو المشتقات النفطية أو الكهرباء، والأمور تسير بشكل طبيعي نظرا لوجود مخزون آمن.

ويحذر عقل من أن تخزين البنزين في المنازل أو المزارع في جالونات بلاستيكية غير معتمدة يعد من أخطر القرارات التي يمكن أن يتخذها المواطن، لأنه يعرض حياتهم وحياة من حولهم لحوادث حريق أو انفجار، مؤكدا أن التهافت على شراء البنزين دون سبب حقيقي يخلق ضغطا على المخزون ويؤدي إلى مشاكل في الإمدادات، رغم أن المادة متوفرة في محطات الوقود بشكل طبيعي دون أي قيود على الكميات.

وفي قراءة للتسعيرة القادمة، يشير عقل إلى أن التسعيرة الشهرية في الأردن تحمي المواطن من تقلبات الأسعار اليومية، موضحا أن إذا كانت هناك تسعيرة يومية مثل بعض دول العالم، لكان المواطن يعاني بشكل أكبر، خاصة عندما وصل سعر برميل النفط إلى 120 دولارا، مؤكدا أن التسعيرة الشهرية حدت من هذه التقلبات بشكل كبير.

ويتوقع أن تشهد تسعيرة شهر نيسان ارتفاعا كبيرا في أسعار المشتقات النفطية بنسب تجاوزت 30%، وأن تتخذ الحكومة قرار مخالف لارتفاعات الأسعار لتخفيف العبء عن المواطنين، بحيث تتحمل جزءا كبيرا من ارتفاع الأسعار، ويبقى التأثير على المستهلك محدودا ومحتمل.

أما بالنسبة لتأثير أسعار النفط العالمية على التسعيرة الشهرية للمشتقات النفطية، يوضح عقل أن الأسعار الحالية للبرميل تتراوح حاليا حول 100 دولار تقريبا، مع تذبذب متوقع وأنه حتى لو انتهت الحرب عالميا اليوم، لن تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة بين 60 و70 دولارا إلا بعد نحو شهرين.

 

 

توافر الطاقة وعدم وجود أزمة في المملكة

ويؤكد عقل أنه لا توجد أزمة طاقة في الأردن، وأن أي ارتفاع في الأسعار هو ظاهرة عالمية وليست محصورة في الأردن، حيث تتأثر الأسعار المحلية بأسعار النفط العالمية الموحدة تقريبا.

ويوضح أن خطوط الإمداد في الأردن مؤمنة بشكل جيد، حيث يتم استيراد النفط الخام من العراق والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى المشتقات النفطية الجاهزة من السعودية ودول حوض البحر المتوسط، مرورا بقناة السويس.

ويؤكد أن المخزون الاستراتيجي الاحتياطي لجميع أنواع المشتقات النفطية في الأردن ما زال موجودا ولم يتم اللجوء إليه، ولا يوجد أي نقص في الإمدادات.

ويشير إلى أن توقف الغاز القادم من البحر المتوسط لتزويد الكهرباء أدى إلى استخدام الاحتياطي الاستراتيجي، بالإضافة إلى البدائل المحلية مثل زيت الوقود الثقيل والديزل، مشيرا إلى أن استخدام هذه البدائل يزيد تكلفة توليد الكهرباء بمعدل يقارب 2 مليون دينار يوميا، إلا أن هذا لا يؤثر على استمرارية التزويد أو توافر الطاقة للمواطنين.

في تصريحات سابقة للحكومة تشير إلى أن مخزون الوقود في الأردن يصل إلى نحو 30 يوما، ويتم تعزيزه باستمرار ضمن خطط الطوارئ لضمان استمرارية التزويد وعدم حدوث أي نقص.