السياحة تحت ضغط التوترات الإقليمية.. حجوزات ملغاة وخسارة مبكرة للموسم
في ظل استمرار التوترات الإقليمية، يشهد القطاع السياحي حالة من التراجع الحاد والأزمة غير المسبوقة، بحسب مسؤولين في القطاع، الذين يصفون الوضع بأنه الأسوأ في تاريخ السياحة الأردنية، مع تباطؤ واضح في التعافي بعد سلسلة أزمات متلاحقة بدأت منذ عام 2011.
ويواجه القطاع تحديات متزايدة مع تباطؤ تدفق السياح إلى المملكة، في وقت كان يفترض أن يشهد فيه الموسم السياحي الربيعي نشاطا مرتفعا، إلا أن التطورات الإقليمية أدت إلى إلغاء حجوزات في بعض الوجهات السياحية بنسب وصلت إلى الإلغاء الكامل، مما وضع المنشآت السياحية أمام ضغوط مالية متصاعدة.
بيانات وزارة السياحة، تشير إلى انخفاض عدد زوار المملكة إلى نحو 4.2 مليون زائر خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، بتراجع يقارب 7% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2023.
وفي تقرير آخر، بلغ إجمالي عدد الزوار في عام 2024 نحو 6.108 مليون زائر، مسجلا انخفاضا طفيفا مقارنة بعام 2023، لكنه لا يزال أعلى بقليل من مستويات ما قبل جائحة كورونا في عام 2019.
كما بلغت عائدات السياحة في النصف الأول من عام 2024 حوالي 3.3 مليار دولار، بتراجع نسبته 4.9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023، نتيجة انخفاض أعداد السياح، وتراجع الدخل السياحي خلال عام 2024 بنسبة 2.3% مقارنة بعام 2023، بحسب بيانات البنك المركزي ووزارة السياحة.
ورغم هذه التراجعات، تظهر مؤشرات بداية عام 2025 بوادر تعاف نسبي، حيث سجل عدد الزوار خلال الربع الأول من العام زيادة بنسبة 13% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
كما ارتفع عدد الزوار الدوليين في الربع الثاني بنسبة 23%، ليصل إجمالي عدد الزوار إلى نحو 3.29 مليون زائر خلال النصف الأول من العام، ما يعكس تحسناً تدريجياً في النشاط السياحي.
نسب الإلغاء مقلقة
رئيس لجنة السياحة في مجلس الأعيان، العين ميشيل نزال، يؤكد لـ "عمان نت" أن الأزمة الحالية لم تشهدها السياحة الأردنية من قبل، وأنها امتداد لمشكلات بدأت مع الربيع العربي عام 2011، ولم يتعاف القطاع إلا في عامين فقط خلال الفترة الممتدة من 2011 حتى 2026، وهما عامي 2019 و2023 اللذان كانا الأفضل بالنسبة للسياحة.
ويضيف نزال أن الموسم الحالي شهد بداية واعدة في شهر أذار، لكن الأحداث الإقليمية أثرت سلبا على الحجوزات، وأن نسب الإلغاء في بعض المناطق السياحية وصلت إلى مستويات مقلقة، خصوصا مع توقف حركة السياحة الوافدة.
من جانبه، يعبر نائب رئيس جمعية الفنادق الأردنية حسين هليلات، عن أسفه الشديد لما وصل إليه الوضع السياحي، موضحا أن بعض السياح قرروا مغادرة المملكة فور اندلاع الحرب، وأن ذلك أثر بشكل مباشر على نسبة الإشغال وارتفاع الإلغاءات.
ويشير إلى أن اعتماد الأردن على السياحة الموسمية يجعل فقدان بداية الموسم بشهر أذار ونيسان ضربة كبيرة للقطاع، وأن انخفاض حركة الطيران الدولي أدى إلى انخفاض كبير في أعداد الزوار.
ويوضح هليلات أنه كان من المتوقع أن يشهد القطاع بعض الانتعاش، خاصة بعد التحديات السابقة التي شهدتها المنطقة مثل أحداث غزة وأحداث الربيع العربي، إلا أن الاضطرابات الإقليمية حالت دون تحقيق أي انتعاش ملموس، حيث شهدت الفنادق نسب إلغاء حجوزات مرتفعة، خاصة وأن السياحة في الأردن مرتبطة بشكل مباشر بالحجوزات الجوية.
حلول لتجاوز المرحلة
خلال الأزمات السابقة، شهدت بعض المناطق السياحية مثل البتراء إغلاقات واسعة في عدد من منشآتها الفندقية بسبب تراجع الزوار، حيث أغلقت أكثر من نصف الفنادق في بعض المناطق، وتعرض العديد من العاملين لخطر فقدان وظائفهم، وسط انخفاض أعداد الزوار الأجانب بنحو أكثر من 70% .
وحول سبل تجاوز هذه المرحلة، يشير نزال إلى أن الحلول لا تقتصر على دور البنك المركزي أو البنوك فحسب، بل تتطلب إجراءات حكومية تشمل إعادة جدولة القروض المستحقة أو التي ستستحق للقطاع السياحي، بالإضافة إلى إيجاد آلية لدفع الرواتب بهدف الحفاظ على القوى العاملة المدربة التي تم تدريبها على مدار سنوات طويلة لتقديم مستوى خدمات عالي الجودة.
ويؤكد نزال أن وزير السياحة والآثار أعلن عن إجراءات لمواجهة هذه التداعيات ضمن الأحداث الإقليمية الراهنة، منها تقسيط أو تأجيل الرسوم المستحقة على المنشآت السياحية المساهمة في هيئة تنشيط السياحة للربع الأخير من هذا العام، في خطوة تهدف لتخفيف الأعباء المالية على القطاع، مع ذلك يرى أن هذه الإجراءات لا تغطي كل التحديات، خصوصا فيما يتعلق بالرواتب والقروض والفوائد التي تتجاوز مئات الآلاف شهريا، وهو ما يضغط على المنشآت السياحية بشكل كبير.
وعن الحفاظ على العاملين ومنع تسريحهم، يأمل نزال إيجاد آليات لدفع الرواتب عبر قروض ميسرة تمتد لخمس سنوات، كما حدث في فترات سابقة مثل أزمة كورونا، مشيرا إلى أن القطاع السياحي يواجه أزمات مستمرة بسبب الوضع السياسي والجيوسياسي في المنطقة، إضافة إلى التوترات الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي والتي تؤثر على حركة السياحة في الأردن.
وفيما يتعلق بمدة التعافي بعد استقرار الأوضاع الإقليمية، يوضح نزال أن القطاع السياحي يتعافى بسرعة نسبية بعد انتهاء الأزمات، لكنه يشير إلى أن التعافي الكامل يعتمد على توقيت انتهاء النزاعات.
ويقول إن الموسم السياحي الربيعي قد فقد فرصته، وأن السياحة الصيفية في الأردن تعتمد على السياحة الخليجية والعربية، خصوصا في عمان والمناطق الشمالية، أما بقية المناطق السياحية مثل البتراء، مادبا، البحر الميت، والعقبة، فهي تعتمد على السياحة الأجنبية التي تزور الأردن في فصل الربيع والخريف.
ويضيف أن نجاح الموسم السياحي القادم مرتبط بوقف الحرب واستقرار الأوضاع، مما يتيح للقطاع فرصة العودة بشكل طبيعي خلال فصل الخريف، مع التركيز على السياحة الخارجية التي تشكل العمود الفقري للعديد من المنشآت والفنادق والأنشطة السياحية المرتبطة بالزوار الأجانب.
أما هليلات يرى بأن الموسم الصيفي قد يشهد بعض النشاط عبر السياحة العربية، فيما يعتمد الموسم الثاني في الخريف، الممتد بين تشرين الثاني وكانون الاول، على السياحة الأجنبية، وبالتالي فإن النتائج الحالية غير واضحة والتوقعات معلقة حتى عودة الاستقرار.
وحول الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الفنادق للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما في ذلك استمرار الأزمة الإقليمية، يؤكد هليلات أن الفنادق تعمل بالتنسيق الكامل مع غرفة الطوارئ التابعة لوزارة السياحة، مشيرا إلى أن جميع الجهات المعنية، من البترا والعقبة إلى الملكية الأردنية والفنادق ومكاتب السفر والسياحة، تشارك في خطط الطوارئ لمواجهة أي تطورات أو أحداث مفاجئة قد تؤثر على القطاع.
لمواجهة هذه التحديات، أعلنت وزارة السياحة عن حزمة من الإجراءات والدعم لتنشيط القطاع تشمل، من بينها تسهيل دخول السياح الأجانب، عبر إجراءات دخول أبسط للزوار من دول عدة دون الحاجة لموافقات مسبقة، بهدف تعزيز الحركة السياحية القادمة من الخارج، إضافة إلى تشكيل لجان مشتركة بين وزارة السياحة والبنك المركزي والمؤسسات الحكومية لمتابعة وضع القطاع المالي، وتقديم تسهيلات مالية وتأجيل رسوم وإجراءات للبنوك لدعم الفنادق ومكاتب السفر.












































