استثمارات بـ9 مليارات دولار ... هل تنجح مشاريع جعفر حسان في تحريك الاقتصاد وخفض البطالة؟
في ظل ضغوط اقتصادية إقليمية وتحديات محلية متراكمة، تعود الحكومة إلى طرح حزمة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى بوصفها رافعة أساسية لتحفيز النمو وتنشيط الاقتصاد، وسط تساؤلات حول القدرة على التنفيذ ومصادر التمويل، ومدى انعكاس هذه الخطط على فرص التشغيل ومستويات المعيشة.
وكانت الحكومة قد أعلنت أن الاقتصاد الوطني مقبل خلال العام المقبل على ضخ استثمارات تقدر بنحو 9 مليارات دولار، عبر مشاريع يصفها خبراء اقتصاديين بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الأردن.
قال رئيس الوزراء جعفر حسان إن هذه الاستثمارات ستنعكس إيجابا على معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل، موضحا أن جزءا كبيرا منها سينفذ من خلال شراكات وطنية وأجنبية.
وتتوزع هذه المشاريع على قطاعات حيوية، من أبرزها مشروع سكة حديد ميناء العقبة، والناقل الوطني للمياه، وخط غاز الريشة، إلى جانب مشاريع متنوعة في قطاع الطاقة، في محاولة لإحداث نقلة نوعية في البنية التحتية وتعزيز القدرات الإنتاجية للمملكة.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي قاسم الحموري في حديثه لـ "عمان نت"، أن الحديث عن هذا الحجم من الإنفاق الحكومي يحمل دلالات اقتصادية كبيرة، لكون الإنفاق العام أحد أهم مكونات معادلات الاقتصاد الكلي، إذ يؤثر بشكل مباشر على مستوى الطلب الكلي، وبالتالي ينعكس على معدلات النمو.
لكن الحموري يطرح تساؤلات حول آلية تنفيذ هذه الاستثمارات، متسائلا عما إذا كان ضخ هذا المبلغ سيتم خلال عام واحد أم على عدة سنوات، مؤكدًا أن وضوح الإطار الزمني ضروري، خاصة أن الرقم المطروح يعد ضخما مقارنة بحجم الموازنة العامة، وقد يشكل نسبة تتجاوز 70% منها.
ويشدد على أن الأهمية لا تكمن في حجم الرقم بحد ذاته، بل في طبيعة المشاريع وقدرتها على إحداث أثر اقتصادي ملموس، موضحا أن ضخ استثمارات بهذا الحجم يفترض أن يكون موجها نحو مشاريع استراتيجية كبرى، مثل تحلية المياه، والنقل، والطاقة، وهي مشاريع قادرة على توليد فرص عمل واسعة وتحريك عجلة الاقتصاد بشكل مباشر.
كما يشير الحموري إلى أن التحدي الأكبر يكمن في مصادر التمويل، في ظل وصول الدين العام إلى مستويات تقارب 118% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يحد من خيارات الاقتراض.
ويؤكد أن المرحلة تتطلب قدرا عاليا من الشفافية الحكومية، من خلال توضيح مصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، وآلية توزيع الاستثمارات على المشاريع المختلفة، محذرا من أن الاكتفاء بإعلانات عامة قد يفهم على أنه غياب للرؤية التنفيذية الواضحة، مما قد يضعف الثقة بالسياسات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بطبيعة المشاريع المطروحة، يوضح الحموري أن بعضها جديد، فيما يعاد طرح البعض الآخر بصيغ محدثة، مشيرا إلى أن مشروع الناقل الوطني للمياه وصل إلى مراحل متقدمة من حيث الاتفاقيات والشراكات، مع توقعات ببدء ظهور نتائجه تدريجيا حتى عام 2030.
أما مشاريع سكك الحديد، فيشير إلى تفاوت في مراحل تنفيذها، خاصة تلك المرتبطة باتفاقيات إقليمية، خاصة في الجنوب وربط العقبة، بهدف تعزيز القدرات التصديرية للأردن.
ويرى أن هذه المشاريع كان يمكن أن تتكامل مع رؤى تنموية أوسع، مثل تحويل إربد إلى مركز اقتصادي متكامل عبر إنشاء مطار تجاري وميناء بري، وربطها بشبكات النقل الإقليمية، بما يعزز الدور اللوجستي للمملكة، خصوصا في ظل مشاريع إعادة الإعمار في المنطقة، مشددا على أهمية التوسع في مشاريع الطاقة في مختلف مناطق المملكة، لضمان تحقيق تنمية متوازنة وتعزيز أمن الطاقة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية الأخيرة.
وحول سوق العمل، يوضح الحموري أن هذه المشاريع بطبيعتها كثيفة الاستخدام للعمالة، خصوصا في قطاع الإنشاءات، مما يعني أن الطلب على العمالة سيكون طلبا مشتقا ناتجا عن تنفيذ المشاريع، الأمر الذي يفتح المجال أمام تشغيل أعداد كبيرة من الأردنيين، شريطة وجود رقابة وتنظيم فعالين من قبل الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة العمل.
ويؤكد أن نجاح هذه الخطط يبقى مرهونا بجدية التنفيذ، فإذا استندت إلى خطط واضحة وقدرات تمويلية حقيقية، فإنها تمثل فرصة اقتصادية واعدة، أما إذا بقيت في إطار التصريحات العامة، فقد تسهم في ترحيل الأزمات دون إحداث تغيير فعلي.
وفي موازاة ذلك، وافق مجلس الوزراء خلال جلسة عقدت في محافظة إربد على اتفاقية استثمار بين وزارة الطاقة والثروة المعدنية وشركة الأردن للأمونيا الخضراء، لتنفيذ مشروع لإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر بكلفة رأسمالية تُقدّر بنحو مليار دولار، في خطوة تعكس توجه الأردن نحو اقتصاد الطاقة النظيفة.
وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ الطاقة في جامعة اليرموك محمد الزعبي أن المشروع يمثل نقلة نوعية في قطاع الطاقة، ويأتي ضمن توجه استراتيجي للتوسع في الطاقة المتجددة، مشيرا إلى أن الأردن حقق تقدما ملحوظا في هذا المجال مقارنة بالعديد من دول المنطقة.
ويوضح أن المشروع يقوم على إنشاء منشأة صناعية متكاملة لإنتاج الأمونيا الخضراء باستخدام الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين حديثة، بما يتيح الاستفادة من فائض الطاقة المتجددة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتخزين الكهرباء واستخدامها خارج أوقات الإنتاج.
ويضيف أن تشغيل المشروع بشكل مستقل عن شبكة الكهرباء الوطنية يعكس تطور البيئة التشريعية في المملكة، وقدرتها على استقطاب استثمارات نوعية وشركات دولية متخصصة.
وبحسب الزعبي، فإن المشروع سيسهم في إنتاج نحو 100 ألف طن سنويا من الأمونيا الخضراء، مع تقليل الانبعاثات الكربونية بنحو 200 ألف طن سنويا، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة، وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، وتقليل فاتورة الاستيراد.
كما يشير إلى أن المشروع سيعزز نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات الوطنية، مستفيدا من ميزات الأردن الطبيعية، مثل ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي وموقعه الجغرافي، ما يؤهله ليكون مركزا إقليميا للطاقة المتجددة.
ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى للمشروع في أيلول 2027، وصولا إلى التشغيل الكامل بحلول عام 2030، حيث سيبدأ المواطن بلمس آثاره الاقتصادية بشكل تدريجي، سواء من حيث خفض كلف الطاقة أو تحسين الأداء الصناعي، مؤكدا الزعبي على أن هذا المشروع يعد من المشاريع المستقبلية الواعدة للاقتصاد الأردني، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وبيئية وتنموية، وقدرته على خلق قيمة مضافة حقيقية وتعزيز تنافسية المملكة في قطاع الطاقة العالمي.












































