ارتفاع مقلق في حوادث الغرق وسط رقابة غائبة ومسؤوليات متضاربة
في يوم عادي خرج شقيقان من منزلهما، دون أن يتوقع أحد أن تنتهي رحلتهما عند حافة بركة زراعية، حيث سقط أحدهما في البركة، وحاول الآخر مدفوعا بعاطفة الأخوة لإنقاذه، إلا أن دقائق قليلة كانت كفيلة بأن تنهي حياتهما معا وتقلب حياة عائلة كاملة، لتبقى الذكريات وحدها شاهدة على فاجعة كان يمكن تفاديها.
حادثة غرق الشقيقين في منطقة الموجب يوم الثلاثاء، أعادت تسليط الضوء على تصاعد مقلق في حوادث الغرق في المملكة، وسط تحذيرات متكررة من خطورة المسطحات المائية غير المؤمنة، وتداخل واضح في تحديد الجهات المسؤولة عن الرقابة ومعايير السلامة.
وكانت فرق الغطس في مديريتي دفاع مدني الكرك ومأدبا تعاملت مع حادثة الغرق التي أودت بحياة شقيقين يبلغان من العمر 15 و20 عاما، في واقعة تعكس نمطا متكررا من الحوادث المرتبطة بالبرك الزراعية.
هذه الحادثة ليست الوحيدة، بل هي واحدة من سلسلة حوادث مؤلمة تتكرر بصمت في مناطق مختلفة من المملكة، حيث تتحول البرك الزراعية ومياه الأمطار والسدود القديمة إلى مصائد خطرة، في ظل غياب إجراءات السلامة الكافية.
الإحصاءات تشير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد حوادث الغرق خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ففي عام 2024، استجابت مديرية الدفاع المدني لنحو 173 حادث غرق في مختلف أنحاء المملكة، أسفرت عن 51 وفاة و152 إصابة، أما في عام 2023، فقد تم تسجيل 163 حادثا نتج عنها 73 وفاة و111 إصابة، معظمها في مواقع غير خاضعة للرقابة.
ومع بداية عام 2026، لا تزال المؤشرات مقلقة، إذ شهدت الأشهر الأولى عدة حوادث مأساوية، من بينها غرق رجل وطفلين في منطقة القسطل خلال كانون الثاني، إضافة إلى وفاة ثلاثة أطفال في آذار إثر سقوطهم في بركة زراعية في لواء إربد، كما توفي طفل في مطلع نيسان بمحافظة الكرك، وأصيبت شقيقته في حادث غرق داخل بركة تشكلت من مياه الأمطار.
15 وفاة منذ بداية العام
في هذا السياق، يوضح ضابط الإعلام والتثقيف في الدفاع المدني، الملازم أول محمد الخطاطبة في حديثه لـ "عمان نت" أن حوادث الغرق في البرك الزراعية ما تزال مستمرة، حيث تم تسجيل نحو 15 حالة وفاة منذ بداية العام، رغم أن موسم الصيف لم يبدأ بعد، مما يعكس خطورة الوضع والحاجة إلى تدخلات عاجلة.
ويؤكد الخطاطبة أن هذه البرك مخصصة لأغراض الري، وغالبا ما تحتوي على مواد كيميائية قد تسبب أضرارا صحية، إلى جانب كونها مغطاة بطبقة بلاستيكية شديدة الانزلاق، مما يجعل مجرد الاقتراب منها خطرا، مشيرا إلى أن حتى الغواصين المدربين يحتاجون إلى وسائل مساعدة للدخول والخروج منها، مما يعكس مستوى الخطورة التي تشكلها.
ويرجع تكرار هذه الحوادث بشكل رئيسي إلى ضعف الوعي المجتمعي، لافتا إلى أن كثيرا من الحوادث تبدأ بسقوط شخص واحد، ثم تتفاقم بسبب محاولات إنقاذ عفوية تؤدي إلى وقوع ضحايا إضافيين، خصوصا بين الأطفال، محذرا من خطورة البرك الناتجة عن مياه الأمطار، التي يصعب تقدير عمقها، وقد تصل في بعض الحالات إلى عدة أمتار، مما يجعلها أكثر خطورة مما تبدو عليه.
تضارب في تحديد المسؤوليات
رغم تكرار الحوادث، أظهرت ردود الجهات الرسمية تباينا في تحديد الجهة المسؤولة عن الرقابة على البرك الزراعية ومعايير السلامة فيها.
أوضحت وزارة المياه بأن "الموضوع ليس من اختصاصها، باعتبار أن الإجراءات داخل المزرعة تقع على عاتق أصحاب المزارع"، في حين أحالت سلطة وادي الأردن الاستفسارات إلى وزارة المياه، في إشارة إلى أن الملف يقع ضمن مسؤوليتها.
من جانبها، تبين وزارة الزراعة أن "البرك الزراعية لا ترخص من قبل الوزارة، ولا يوجد ما يسمى ترخيص برك زراعية لديها"، مرجحة أن تكون إجراءات الترخيص من اختصاص سلطة وادي الأردن.
في المقابل، يعلن اتحاد مزارعي وادي الأردن عن توجه لإطلاق حملة توعوية شاملة لتعزيز مفاهيم السلامة العامة، والحد من استخدام البرك الزراعية لأغراض غير مخصصة مثل السباحة.
ويؤكد رئيس الاتحاد عدنان الخدام في حديثه لـ "عمان نت" أن حماية أرواح الأطفال مسؤولية جماعية لا يمكن التنصل منها، مشددا على ضرورة تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي.
وتتضمن المبادرة العمل على إلزام المزارعين بتسييج البرك الزراعية، إلى جانب تنفيذ حملات توعوية ميدانية في المزارع والمدارس، بالتعاون مع وزارات الزراعة والمياه والتربية والتعليم، والأجهزة الأمنية.
كما ستشمل الخطة تقديم دعم مالي لبعض المزارعين غير القادرين على تحمل تكاليف التسييج، إضافة إلى تنسيق مع الحكام الإداريين لضمان الالتزام بالإجراءات الوقائية.
من جانبها، كانت مديرية الدفاع المدني قد أطلقت سابقا حملات توعوية، تضمنت وضع لوحات إرشادية وتسييج بعض البرك، إلا أن بعض المواطنين يقومون بإزالة هذه الحواجز والدخول للسباحة، مما يعرض حياتهم للخطر.
ويشدد الدفاع المدني على أهمية توعية الطلبة وأولياء الأمور بخطورة الاقتراب من أي مسطح مائي، سواء كان ظاهرا أو مخفيا، مؤكدا أن الجهود مستمرة لإطلاق حملات أوسع، بالتعاون مع مختلف الجهات، للحد من هذه الحوادث.
وتبقى هذه الحوادث جرس إنذار متكرر، يؤكد أن الوقاية لم تعد خيارا، بل ضرورة ملحة، وأن حماية الأرواح خصوصا الأطفال تتطلب وعيا جماعيا وإجراءات حازمة، قبل أن تتحول كل بركة مهملة إلى قصة حزن جديدة.













































