ضرورة التحرك بسرعة وبشكل استراتيجي للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيدًا أو ضارًا، فالأمر كله يعتمد على كيفية استخدامه." هكذا افتتح خبير الذكاء الاصطناعي رعد نشيوات محاضرته في نادي عمان كوزموبوليتان روتاري يوم الأربعاء 12 أغسطس في فندق فور سيزونز.

قدم نشيوات عرضاً شاملاً حول كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للمجتمع الأردني، مع التركيز على التعليم والرعاية الصحية والمنظمات غير الحكومية والسياحة والسفر ومستقبل العمل.

منذ البداية، حثّ نشيوات الحضور، بمن فيهم أعضاء نادي روتاري عمّان فيلادلفيا، الراعي المشارك للفعالية، على تخيّل الحياة اليومية في عمّان  حوالي عام 2030. ووصف سيناريو يتم فيه دمج الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في الخدمات الروتينية. ففي مجال الرعاية الصحية، قال إنه عند وصول مريض إلى المستشفى، سيتمكن الطبيب فورًا من الوصول إلى سجلاته الطبية وتاريخه المرضي، وتحليل أعراضه، والتشخيصات المحتملة بمستويات ثقة عالية حتى قبل التحدث مع المريض. وأوضح أن هذا سيُمكّن الأطباء من التركيز بشكل أسرع على اتخاذ القرارات ورعاية المرضى بدلًا من إضاعة الوقت في جمع المعلومات في البداية.

وصف نشيوات كيف سيُحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في البيئة الدراسية. "تخيل أن كل طالب سيعمل من جهاز لوحي أو أي جهاز آخر مزود بقدرات الذكاء الاصطناعي التي تُصوّر المفاهيم وتشرحها بطرق مُخصصة لتلبية احتياجات كل مُتعلم". وفي هذا السيناريو، حتى بعد انتهاء الحصة، يستمر الذكاء الاصطناعي في دعم الطالب من خلال تحديد نقاط قوته وضعفه، وتعديل عملية التعلم وفقًا لذلك.

في مجال المنظمات غير الحكومية والعمل الاجتماعي، أوضح نشيوات أن هذه المنظمات غالبًا ما تدير أعدادًا كبيرة من القضايا، مصحوبة بمتطلبات توثيق وإعداد تقارير مطولة. وأشار إلى أنه بحلول عام 2030، سيتمكن الذكاء الاصطناعي من تصنيف ومعالجة كميات هائلة من القضايا في دقائق معدودة، بدلًا من الأسابيع والأشهر التي قد يستغرقها الأمر اليوم، كما سيتمكن من تحديد مواطن الحاجة إلى التدخل. وأكد أن هذا من شأنه أن يحوّل الجهود من مجرد رد الفعل بعد وقوع المشكلات إلى التنبؤ بها مبكرًا والتحرك قبل تفاقم الأزمات.

وطبّق نفس المنطق على السفر وخدمة العملاء. مستخدماً مثالاً على إلغاء رحلة طيران مما أدى إلى تدفق المكالمات الهاتفية على المكاتب، قال نشيوات إن الذكاء الاصطناعي قادر على إعادة حجز المسافرين تلقائياً على رحلات بديلة تناسب جداولهم وتفضيلاتهم. والهدف، وفقاً لرؤيته، هو تقليل التأخيرات وتحسين سرعة اتخاذ القرارات عند حدوث اضطرابات.

ثم انتقل الحديث إلى كيفية وصول البشرية إلى هذه المرحلة. وصف نشيوات التطور الذي شهده العالم منذ عصر الإنترنت في التسعينيات، حين كان المحترفون يعتمدون على محركات البحث والمعلومات المتاحة عبر الإنترنت لفهم المشكلات، وصولًا إلى ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي في أواخر عام ٢٠٢٢، ، القادر على صياغة الإجابات والاقتراحات مباشرةً من استفسارات المستخدمين. ثم وصف تطورًا آخر نحو وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين لا يقتصر دورهم على الإجابة عن الأسئلة فحسب، بل يمكنهم أيضًا تنفيذ مهام متعددة الخطوات. وأوضح أن هذه الأنظمة قادرة على البحث في المشكلات، وإعداد التقارير والعروض التقديمية، وكتابة رسائل البريد الإلكتروني، ومتابعة الردود، والتعامل مع تفاعلات العملاء، ما يساهم بفعالية في سد الفجوة بين المعلومات والتنفيذ.

وفي حديثه عن الوضع المحلي تحديداً، أشار نشيوات إلى أن ألأردن لطالما نافست دول الخليج في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مستفيدةً من الطلب الإقليمي وقاعدة المواهب القوية وخدمات البرمجيات. إلا أنه أكد أن الذكاء الاصطناعي غير المشهد التنافسي. واستشهد بمؤشر يقيس جاهزية الحكومات لتبني الذكاء الاصطناعي في 195 دولة، قائلاً إن الأردن يحتل المرتبة 63، بينما تحتل دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مراتب أعلى بكثير. وأضاف أن الأردن لا يستطيع مجاراة دول المنطقة بالاعتماد على القدرة الإنفاقية وحدها، وقد لا يتمكن من بناء مراكز بيانات بنفس الحجم أو تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بنفس السرعة.

على الرغم من ذلك، أكد نشيوات أن الأردن لا يزال أمامه فرصة واضحة. وأشار إلى شريحة الشباب المتعلمة في البلاد وإمكاناتها في استخدام النماذج المفتوحة لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي محلياً. وأوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن نشرها بأشكال مختلفة، فقارن بين النماذج المغلقة التي تسيطر عليها الشركات الكبرى، والتي يصل إليها المستخدمون عبر الاشتراكات، والنماذج المفتوحة التي يمكن تشغيلها على خوادم محلية وتكييفها من قبل الحكومات والمنظمات. ووصف النماذج المفتوحة بأنها تُمكّن المؤسسات من تخصيص الأنظمة لتلبية الاحتياجات المحلية مع الحفاظ على سيطرة أكبر على البنية التحتية والاستخدام.

حذّر نشيوات من ضرورة تحرك الأردن بسرعة وبشكل استراتيجي، لأن الفترة الزمنية بين ظهور التقنيات الجديدة وانتشارها الواسع قد تكون قصيرة. ويرى أن فرصة تحديد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في الأردن تعتمد على بناء القدرات بدلاً من مجرد استهلاك الأدوات المطورة في الخارج.

ثم ناقش أمثلة عملية لتأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وفي مجال الرعاية الصحية، سلط الضوء ليس فقط على الاستخدامات الإدارية، بل أيضاً على تطبيقاته التشخيصية والبحثية. وأشار إلى كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد قسم الأشعة من خلال قراءة صور الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وتحسين دقتها، واقترح أن الكشف المعزز بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تقليل حالات التشخيص الخاطئ. كما تطرق إلى منظومة الرعاية الصحية الأوسع، بما في ذلك سجلات المرضى، وتحليلات خدمة العملاء، ولوحات معلومات أداء المستشفيات.

كما تطرق إلى كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي لقطاعي السفر والضيافة من خلال التخصيص. واستنادًا إلى خبرته في الخدمات الموجهة للمستهلكين، وصف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تتبع سلوك العملاء وتفضيلاتهم لتصميم تجارب وعروض تناسب احتياجاتهم، وكيف يمكن للأنظمة التعرف على فترات انقطاع العملاء عن زيارة المنشأة وإرسال رسائل ترويجية مخصصة تتضمن حوافز.

في مجال التعليم، جادل بأن على المدارس التكيف لأن الذكاء الاصطناعي يُغير مفهوم الواجبات المنزلية وتقييم الطلاب. فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي حل المشكلات، قال إنه يجب أن يتحول التركيز نحو المشاريع، والتفكير المنطقي، والدفاع عن المصادر بدلاً من الحفظ. واقترح أن تتخلى الجامعات والمدارس عن الاعتماد على رصد استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن تعيد تصميم التقييمات بحيث يُظهر الطلاب فهمهم من خلال العمل الفعلي والتفكير النقدي.

تطرق نشيوات أيضًا إلى المخاوف المتعلقة بالتوظيف، موضحًا أن بعض الوظائف ستُستبدل أو تُؤتمت بالكامل، لا سيما تلك التي تتضمن مهامًا متكررة. ومع ذلك، أكد أن معظم الأعمال ستُعاد صياغتها بدلًا من إلغائها تمامًا. ويرى أن المفتاح يكمن في الإلمام بالذكاء الاصطناعي، أي اعتبار تعلم مهارات الذكاء الاصطناعي أساسيًا كتعلم مهارات الحاسوب، حتى يصبح الناس مستخدمين ومشرفين على الذكاء الاصطناعي بدلًا من أن يكونوا ضحايا للاستبدال.

وصف مفهومًا طبّقه في شركته: يستخدم المطورون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في مهام البرمجة، بينما يقتصر دورهم على الإشراف وترجمة ما يجب أن يفعله النظام. وقال إن هذا النهج يمكن أن يقلل الجداول الزمنية بشكل كبير.

اختُتمت المحاضرة بدعوةٍ للعمل. حثّ نشيوات المشاركين على دراسة مؤسساتهم وتحديد المهام اليدوية التي تستغرق وقتًا طويلاً والتي يُمكن أتمتتها خلال الثلاثين يومًا القادمة. وصف مسارًا يبدأ من استخدام الأفراد للذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية الشخصية، مرورًا بفرق العمل التي تتعاون من خلال سير عمل مشترك، وصولًا إلى المؤسسات التي تعمل بوكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على إنجاز المهام باستمرار بأقل قدر من التدخل البشري. وأكد أنه كلما أصبحت المؤسسات أكثر اندماجًا في الذكاء الاصطناعي، أصبح المجتمع أكثر استعدادًا لهذا التحول.

تمحورت رسالة الخبير نشيوات حول ضرورة الاستعداد. سيُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في المجتمع، لكن مصير الأردن يعتمد على استجابة المؤسسات والأفراد بسرعة، وتخطيط استراتيجي، واستثمار في القدرات. وأكد أن السؤال الأهم بالنسبة للأردن هو: هل سيبقى مستهلكاً للذكاء الاصطناعي أم سيتطور ليصبح منتجاً له؟