الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي يعيدان رسم طريق التعليم والعمل

 لم يعد الهاتف الذي يحمله الشاب في جيبه مجرد وسيلة للاتصال أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. الهاتف أصبح خزنة تحمل صوراً وبيانات شخصية وحسابات مالية ومحادثات وملفات، وفي كثير من الحالات أصبح بوابة إلى الحياة الرقمية كاملة. ومع اتساع الاعتماد على التكنولوجيا، تتغير في المقابل طرق الاحتيال والاختراق، فيما يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط ليجعل بعض عمليات الخداع أكثر إقناعاً وأصعب على المستخدم العادي في اكتشافها.

هذه الصورة كانت محور الحلقة السادسة من برنامج "صوت شبابي" الذي يبث عبر راديو البلد، وناقشتها الإعلامية هديل الصعبي مع عدد من المختصين والطلبة، من زاويتين متداخلتين، الأمن والسلامة الرقمية من جهة، والاستعداد لمهن المستقبل في ظل الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

الحلقة قدمت عملياً صورة عن تحول التكنولوجيا من أداة يستخدمها الشباب إلى بيئة يعيشون داخلها يومياً. الخطر لم يعد محصوراً في شخص يمتلك مهارات تقنية عالية ويحاول اختراق جهاز، بل قد يبدأ برسالة قصيرة، أو مكالمة هاتفية، أو رابط يبدو للوهلة الأولى عادياً.

الهندسة الاجتماعية، الاختراق الذي يبدأ من الإنسان

الخبير في الأمن السيبراني سيف مخارزة، مؤسس شركة Sixteen Security، ركز خلال الحلقة على مفهوم أصبح محوراً رئيسياً في كثير من عمليات الاحتيال الإلكتروني، وهو "الهندسة الاجتماعية".

وبحسب شرحه، تقوم الهندسة الاجتماعية على خداع الشخص ودفعه إلى تقديم معلومة أو صلاحية أو إجراء معين، من خلال انتحال شخصية جهة موثوقة. قد يظهر المحتال على أنه موظف بنك، أو ممثل مؤسسة، أو شخص يعرفه الضحية، والهدف في النهاية هو الوصول إلى البيانات أو الحسابات أو الأموال.

المشكلة هنا أن المحتال لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون "هاكراً" بالمعنى التقليدي للكلمة. قد يكون أكثر مهارة في الإقناع من البرمجة، ويعرف كيف يستغل خوف الشخص أو استعجاله أو ثقته بالمؤسسة التي يدعي أنه يمثلها.

وتزداد خطورة هذا النوع من الاحتيال مع قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص وصوت ومحتوى مقنع، وهو ما أشار إليه التقرير المرافق للحلقة. فكلما أصبح المحتوى المزيف أكثر إقناعاً، أصبحت مسؤولية المستخدم في التحقق من المصدر أكبر.

رسالة واحدة قد تكون بداية المشكلة

الرابط المشبوه يظل من أكثر الأدوات التي يعتمد عليها المحتالون. وقد يصل الرابط في رسالة تزعم وجود مشكلة في الحساب البنكي، أو تطلب تحديث بيانات، أو تحذر من إيقاف خدمة، أو تدعي وجود معاملة مالية تحتاج إلى تأكيد.

المشكلة أن المستخدم قد يرى شعار المؤسسة أو اسمها وتصميماً قريباً من موقعها الرسمي، فيتعامل مع الرسالة على أنها حقيقية.

لكن القاعدة التي شدد عليها مختص الأمن السيبراني خلال الحلقة بسيطة، لا تتفاعل مباشرة مع الرسالة إذا كنت غير متأكد من مصدرها، ولا تضغط الرابط، ولا تقدم معلومات حساسة، ولا تحمل ملفاً مرفقاً قبل التحقق.

وأشار مخارزة إلى أن المستخدم يستطيع الاستعانة بأدوات فحص الروابط، وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي، للمساعدة في تقييم رابط مشبوه، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى التحقق المباشر من الجهة المعنية.

وفي حالة البنوك تحديداً، دعا إلى الانتباه إلى طريقة التواصل. فإذا تلقى شخص اتصالاً يطلب منه بيانات حساسة بحجة حماية حسابه، فإن عليه التوقف والتحقق من البنك عبر قنواته الرسمية بدلاً من متابعة المكالمة أو تقديم المعلومات.

هل الضغط على الرابط يعني أن الهاتف اختُرق؟

هذه من أكثر الأسئلة التي تشغل مستخدمي الهواتف ومواقع التواصل، خصوصاً مع انتشار منشورات تحذر من أن مجرد الضغط على رابط يعني أن الجهاز أصبح تحت سيطرة شخص آخر.

المختص قدم صورة أكثر تعقيداً. فاختراق الحسابات من خلال الروابط يعتمد غالباً على هدف المهاجم، وقد يكون الهدف جمع بيانات تسجيل الدخول أو الحصول على معلومات مالية أو السيطرة على الحساب، وليس بالضرورة السيطرة الكاملة على الهاتف بمجرد فتح الرابط.

أما الادعاءات التي تنتشر على مواقع التواصل حول قدرة شخص عادي على اختراق أي هاتف حديث بسهولة، فقد وصفها مخارزة بأنها جزء من الخداع المنتشر على الإنترنت.

وأوضح أن اكتشاف ثغرة حقيقية في أنظمة تشغيل الهواتف قد تكون له قيمة كبيرة بالنسبة للباحثين الأمنيين، ما يجعل فكرة اكتشاف ثغرة متقدمة ثم استخدامها عشوائياً ضد المستخدمين أمراً مختلفاً عن الصورة التي تقدمها بعض مقاطع مواقع التواصل.

علامات تستحق الانتباه

لا توجد علامة واحدة تكفي وحدها لإثبات اختراق الهاتف، لكن هناك مؤشرات تستدعي الفحص.

من بينها تسجيل دخول غير معتاد إلى الحساب، رسائل أو تفاعلات لم ينفذها المستخدم، تغييرات في الحساب لم يقم بها، أو ظهور تطبيقات لم يتذكر أنه قام بتثبيتها.

وأشار الخبير إلى أهمية مراجعة سجل النشاطات والجلسات النشطة للحساب، لأنها قد تكشف عن أجهزة أو أماكن تسجيل دخول غير مألوفة.

كما تحدث عن مؤشرات مرتبطة بالجهاز نفسه، مثل ارتفاع غير مبرر في استهلاك البيانات أو البطارية أو ارتفاع حرارة الهاتف. لكنه شدد على أن هذه المؤشرات ليست دليلاً قاطعاً على الاختراق، وقد تكون لها أسباب تقنية أخرى، ولذلك فإن تأكيد الاختراق يحتاج إلى فحص أعمق من مختص.

وهذه نقطة مهمة، لأن بعض المستخدمين يتعاملون مع أي ارتفاع في حرارة الهاتف على أنه دليل على التجسس، بينما قد تكون المشكلة مرتبطة بالبطارية أو التطبيقات أو الاستخدام المكثف.

ماذا تفعل في الدقائق الأولى بعد اكتشاف الاختراق؟

الاستجابة السريعة قد تكون حاسمة، لكن التسرع بطريقة خاطئة يمكن أن يضيع أدلة مهمة.

ومن أبرز النصائح التي طرحها مخارزة توثيق ما حدث أولاً، خصوصاً تسجيلات الدخول غير المعروفة أو النشاطات المشبوهة، قبل حذفها أو تغيير المعلومات. الهدف هو الاحتفاظ بما يمكن أن يساعد لاحقاً في التحقيق أو إثبات الواقعة.

بعد ذلك تبدأ عملية تأمين الحساب، من خلال تغيير كلمات المرور، ومراجعة البريد الإلكتروني ورقم الهاتف المرتبطين بالحساب، والتأكد من عدم وجود وسيلة استرداد أضافها المهاجم.

وهذه النقطة مهمة لأن تغيير كلمة المرور وحده قد لا يكون كافياً إذا بقي للمهاجم منفذ آخر لاستعادة الحساب.

وفي الحالات التي تستمر فيها السيطرة على الحساب رغم تغيير كلمة المرور، أشار الخبير إلى احتمال وجود جلسة نشطة أو آلية استمرار للوصول، وهنا يصبح التواصل مع دعم المنصة نفسها ضرورياً للتأكد من إنهاء جلسات الدخول غير المصرح بها.

الآيفون ليس حصناً مغلقاً

من أكثر الأفكار شيوعاً بين مستخدمي الهواتف أن امتلاك جهاز حديث، وخصوصاً آيفون، يعني أن الهاتف غير قابل للاختراق.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة.

وأوضح مخارزة أن الاختلاف بين أنظمة الهواتف يتعلق بدرجات القيود التي تفرضها المنصة على المستخدم وطريقة إدارة التطبيقات والبيانات، وليس بوجود هاتف "مستحيل اختراقه". والهندسة الاجتماعية يمكن أن تستهدف مستخدم أي جهاز، لأن نقطة الضعف في هذه الحالة ليست النظام وحده، بل الشخص الذي يتم خداعه.

ولهذا فإن أحدث هاتف لا يعفي صاحبه من استخدام المصادقة الثنائية، وكلمات مرور قوية وفريدة، ومراجعة النشاطات والتنبيهات الأمنية.

النسخ الاحتياطية، خط دفاع لا يجوز تجاهله

في حال تعرض جهاز للاختراق، لا ينبغي التعامل مع كل نسخة احتياطية باعتبارها آمنة تلقائياً.

وأشار الخبير إلى أن النسخ الاحتياطية القديمة التي تكون منفصلة عن الشبكة قد توفر حماية أفضل، بينما النسخة التي أُنشئت بعد تعرض الجهاز للاختراق قد لا تكون مناسبة للاعتماد عليها لاستعادة بيئة نظيفة.

وهنا تظهر أهمية أن تكون النسخ الاحتياطية جزءاً من خطة أمنية مستمرة، لا مجرد إجراء يتم اتخاذه بعد وقوع المشكلة.

المصادقة الثنائية، خطوة بسيطة لكنها مهمة

بالنسبة للمستخدم العادي، يرى مخارزة أن تفعيل المصادقة الثنائية من أهم الإجراءات التي يمكن اتخاذها لحماية الحسابات.

لكن وسائل المصادقة ليست متساوية من حيث مستوى الأمان. وأوضح أن استخدام تطبيقات المصادقة يمكن أن يكون أكثر أماناً من الاعتماد على الرسائل النصية في بعض الحالات، لأن رقم الهاتف نفسه يمكن أن يصبح هدفاً للهندسة الاجتماعية أو محاولات السيطرة على خط الاتصال.

الأهم ألا يستخدم الشخص كلمة المرور نفسها في جميع الحسابات. فإذا تعرض حساب ثانوي للاختراق وكانت كلمة المرور نفسها مستخدمة في البريد الإلكتروني أو الحساب المالي، تتحول المشكلة من حساب واحد إلى سلسلة كاملة من الاختراقات المحتملة.

ولهذا شدد الخبير على ضرورة استخدام كلمات مرور مختلفة، ومراجعة ما إذا كانت البيانات الشخصية أو بيانات الدخول قد ظهرت ضمن تسريبات معروفة، مع تغيير كلمات المرور عند الحاجة.

الابتزاز الإلكتروني، لا تفاوض على الخوف

الجزء الآخر من الحلقة تناول الابتزاز الإلكتروني، وهو من أكثر الأشكال حساسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصور أو محادثات أو معلومات شخصية.

وفرق الخبير بين الحالات التي يكون فيها المبتز شخصاً يعرف الضحية، وبين عمليات الابتزاز التي تنفذها مجموعات تستهدف أعداداً كبيرة من الأشخاص.

وفي الحالات المرتبطة بالابتزاز، شدد على ضرورة اللجوء إلى الجهات المختصة وعدم التعامل مع المبتز باعتبار أن دفع المال سيغلق الملف بالضرورة. كما تحدث عن أهمية تقليل قدرة المبتز على الوصول إلى دائرة معارف الضحية وحساباتها، واتخاذ إجراءات لحماية الحسابات.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى حذر عملي، خصوصاً أن كل حالة ابتزاز تختلف عن الأخرى. التعامل مع الأدلة وحفظ الرسائل ولقطات الشاشة قبل حذف الحسابات أو تغييرها قد يكون مهماً للتحقيق.

الأمن الرقمي يبدأ من الثقافة المالية

اختصر مخارزة رسالته الأساسية للمستخدم العادي في فكرة أوسع من كلمات المرور والبرامج، وهي رفع الثقافة المالية قبل التعمق في التفاصيل التقنية.

فالشخص الذي يعرف ما هي المعلومات التي يجوز مشاركتها مع البنك، وما الذي لا يطلبه البنك عادة عبر الهاتف، وما الفرق بين رقم الحساب والمعلومات السرية المرتبطة بالبطاقة، يكون أقل عرضة للوقوع في الفخ.

المشكلة أن المحتال لا يحتاج دائماً إلى اختراق النظام المصرفي. أحياناً يكفي أن يقنع صاحب الحساب بأن يسلمه بنفسه المعلومة التي يحتاج إليها.

وهنا تصبح المعرفة جزءاً من منظومة الأمن.

من حماية الحسابات إلى حماية مستقبل الوظائف

  هل التعليم الجامعي الأردني يتحرك بالسرعة الكافية لمواكبة الذكاء الاصطناعي، أم أن سوق العمل يتغير أسرع من المناهج؟

تقرير أعدته الزميلة حورية حمودة رصد حضور الذكاء الاصطناعي المتزايد في الجامعات الأردنية، سواء عبر التخصصات الأكاديمية أو البرامج التدريبية والمختبرات التقنية، مع الإشارة إلى تجارب في جامعة الحسين التقنية وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا والجامعة الأردنية.

واللافت أن النقاش لم يعد يدور فقط حول عدد تخصصات الذكاء الاصطناعي التي يمكن فتحها، بل حول سؤال أكثر أهمية، هل يستطيع الطالب الذي يدرس تخصصاً تقليدياً أن يتخرج وهو يمتلك الأدوات الرقمية التي يحتاجها سوق العمل؟

الطالب لا يخاف من الذكاء الاصطناعي بقدر خوفه من سوق العمل

آراء الطلبة التي ظهرت في التقرير كانت متباينة.

بعضهم يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي تخصصه، لكنه سيغير المهام التي يؤديها، ولذلك يفضل الاستمرار في تخصصه مع اكتساب مهارات إضافية.

آخرون ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة، ويرون أن تخصصات مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات أصبحت مرتبطة مباشرة بالمستقبل.

وفي المقابل، هناك من يشعر بأن التكنولوجيا قد تقلل الحاجة إلى عدد من الوظائف التقليدية، وهو ما يخلق حالة من القلق لدى الطلبة والخريجين.

الخبيرة النفسية والتربوية أمينة حطاب ربطت هذا القلق بسرعة التغيير والخوف من فقدان الاستقرار المهني، معتبرة أن المطلوب ليس دفع الشباب إلى رفض التكنولوجيا أو الخوف منها، بل تعليمهم كيفية استخدامها كأداة مساعدة.

وهذا ربما هو التحول الأهم في طبيعة النقاش.

المنافس الحقيقي للطالب ليس بالضرورة الذكاء الاصطناعي نفسه، بل الطالب الذي يعرف كيف يستخدمه.

الجامعات أمام سباق مع سوق العمل

الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة تحدث خلال الحلقة عن الحاجة إلى تسريع استجابة الجامعات للتحول التكنولوجي.

وقال إن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً منفصلاً عن التخصصات التقليدية، بل دخل إلى الهندسة والخدمات والقطاعات المختلفة، وبالتالي فإن تحديث البرامج لا يمكن أن يقتصر على فتح تخصص يحمل اسم "الذكاء الاصطناعي".

المطلوب، بحسب طرحه، أن تتغير طريقة التعليم نفسها.

وهذا الطرح ينسجم مع الاتجاه الرسمي في الأردن. فوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة تقول إن الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي للأعوام 2023 إلى 2027 تضع بناء القدرات وتطوير المهارات والخبرات الأردنية في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن أهدافها الرئيسية. كما تشمل الاستراتيجية 68 مشروعاً في قطاعات متعددة، بينها التعليم والصحة والطاقة والمياه والعمل والنقل والأمن السيبراني والقطاع المالي.

أي أن الذكاء الاصطناعي في الأردن لم يعد مجرد ملف جامعي أو موضوعاً يخص شركات التكنولوجيا، بل أصبح جزءاً من خطة وطنية تمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات.

فتح تخصص جديد لا يعني بالضرورة إعداد خريج جديد

هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في النقاش.

قد يكون من السهل نسبياً إعلان برنامج جديد يحمل اسماً جذاباً، لكن إعداد طالب قادر على المنافسة في السوق يحتاج إلى أكثر من اسم على شهادة التخرج.

بحسب النوايسة، هناك ثلاثة عناصر أساسية يجب أن تتوافر، كوادر أكاديمية مؤهلة، وبيئة جامعية تطبيقية، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص.

بدون هذه العناصر، قد يتحول التعليم إلى معرفة نظرية لا يجد الطالب فرصة لتطبيقها.

وهذا تحدٍ مهم بالنسبة للجامعات، لأن الذكاء الاصطناعي بطبيعته مجال سريع التغير. المناهج التي تُكتب اليوم قد تحتاج إلى تحديث مستمر، والمختبر الذي لا يتغير مع التكنولوجيا يمكن أن يصبح قديماً قبل أن يتخرج أول دفعة من الطلبة.

الشراكة مع القطاع الخاص ليست تفصيلاً

التدريب العملي أصبح جزءاً أساسياً من قيمة التعليم في المجالات التقنية.

النوايسة دعا إلى تطوير برامج تدريبية وبيئات افتراضية داخل الجامعات، وربط الطلبة بالشركات وسوق العمل، بدلاً من الاعتماد فقط على التدريب التقليدي.

وهذا الاتجاه له أمثلة عملية في الأردن.

جامعة الحسين التقنية، مثلاً، تقدم برنامجاً في علم البيانات والذكاء الاصطناعي يركز على تحليل البيانات وتعلم الآلة وتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع تركيز على التطبيقات العملية والشراكات مع القطاع.

وفي نيسان 2026، وقعت الجامعة مذكرة تفاهم مع الحكومة للتعاون في تطوير حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة تحديات ذات أولوية في الجهاز الحكومي، عبر إشراك كفاءات شابة في تحديد المشكلات وتطوير نماذج أولية للحلول.

أما جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، فتقدم برامج في علم البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وحصل برنامج علم البيانات والذكاء الاصطناعي على اعتماد ABET في 2025، وفق بيانات الجامعة.

وفي شباط 2026، أعلنت الجامعة إطلاق المرحلة الأولى من "منظومة المعرفة الذكية"، التي تعتمد نموذجاً لغوياً كبيراً مفتوحاً يتم تشغيله داخل حرم الجامعة، مع إشراف أكاديمي، بهدف حماية البيانات الأكاديمية وخصوصية المحتوى التعليمي.

هذه النماذج تعطي مؤشراً إلى أن بعض الجامعات بدأت بالفعل في الانتقال من تدريس الذكاء الاصطناعي إلى استخدامه داخل البيئة التعليمية نفسها.

المطلوب ليس جامعة للذكاء الاصطناعي فقط

أحد أهم الأفكار التي ظهرت في النقاش أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتحول إلى تخصص معزول.

المهندس، والطبيب، والصحفي، والمحاسب، والمصمم، والمهندس الزراعي، والمتخصص في الطاقة، سيجدون الذكاء الاصطناعي داخل أدوات عملهم بدرجات مختلفة.

وبالتالي فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الجامعات ليس فقط: كم طالباً نخرج في تخصص الذكاء الاصطناعي؟

بل أيضاً: كم خريجاً من التخصصات المختلفة يتخرج وهو يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وفعّال؟

هذا فرق كبير.

فقد يحتاج طالب الهندسة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي في التصميم والتحليل، ويحتاج طالب الإعلام إلى أدوات البحث والتحقق والتحرير، ويحتاج طالب الطب إلى فهم كيفية التعامل مع الأنظمة الذكية، فيما يحتاج المحاسب إلى معرفة كيفية استخدام الأدوات التحليلية الحديثة.

هل الأردن بحاجة إلى إطار وطني موحد؟

خلال النقاش، دعا النوايسة إلى مؤتمر وطني يضم الجامعات والأكاديميين والجهات المعنية، بهدف وضع إطار وطني واضح لتوظيف الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات، مع مؤشرات للمتابعة والتقييم.

الفكرة تتقاطع مع الاستراتيجية الوطنية القائمة بالفعل، والتي تمتد للفترة 2023 إلى 2027 وتضم 68 مشروعاً. وتوضح وزارة الاقتصاد الرقمي أن الاستراتيجية لا تركز فقط على التطبيقات، بل تشمل بناء القدرات والبحث العلمي والاستثمار وريادة الأعمال والبيئة التشريعية والتنظيمية والاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي.

التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذه الأهداف إلى تجربة ملموسة بالنسبة للطالب.

فالطالب لا يرى الاستراتيجية في شكلها النظري. يراها في المختبر، وفي الأستاذ، وفي المادة التي يدرسها، وفي التدريب الذي يحصل عليه، وفي الشركة التي يستطيع أن يتدرب فيها، وفي الوظيفة التي يجدها بعد التخرج.

التخصصات التقليدية تحت الضغط

النقاش تطرق أيضاً إلى مشكلة التخصصات التقليدية، مع الإشارة خلال الحلقة إلى وجود تشبع في عدد منها.

طرح النوايسة فكرة إعادة النظر في الصورة الاجتماعية لبعض المهن والتخصصات، لأن سوق العمل لا يتحرك دائماً وفق المكانة الاجتماعية التي تمنحها الأسرة أو المجتمع لمهنة معينة.

وأشار إلى مجالات مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطائرات المسيّرة، باعتبارها مجالات مرتبطة بالتحولات المقبلة في سوق العمل.

وهنا تظهر مشكلة قديمة في الأردن بشكل أكثر وضوحاً مع كل موجة تكنولوجية جديدة، وهي الفجوة بين خيارات الطلبة وبين احتياجات الاقتصاد.

إذا ظل الطالب يختار التخصص بناء على الصورة الاجتماعية للمهنة، بينما يتغير الطلب الحقيقي في سوق العمل، فإن الجامعات ستستمر في تخريج أعداد كبيرة في مجالات مزدحمة، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات أخرى من نقص المهارات.

الذكاء الاصطناعي قد يلغي وظائف، لكنه يخلق وظائف أيضاً

الحديث عن المستقبل لا يمكن اختصاره بعبارة "الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظائف البشر".

الصورة أكثر تعقيداً.

بعض المهام الروتينية معرضة للتراجع، لكن في المقابل تظهر وظائف جديدة مرتبطة بالبيانات والأنظمة الذكية والأمن السيبراني وتطوير النماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما عكسه حديث الطلبة والخبراء في الحلقة، إذ رأى بعضهم أن الخوف من الذكاء الاصطناعي يجب أن يتحول إلى حافز لاكتساب مهارات جديدة.

وزارة الاقتصاد الرقمي نفسها تضع بناء القدرات والمهارات الأردنية ضمن الأهداف الرئيسية للاستراتيجية، إلى جانب تشجيع البحث العلمي والاستثمار وريادة الأعمال وخلق بيئة تشريعية تسمح بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا.

المعادلة بالنسبة للشباب تبدو واضحة، الشهادة الجامعية ستظل مهمة، لكنها لن تكون وحدها كافية.

من "ماذا أدرس؟" إلى "ماذا أستطيع أن أفعل؟"

ربما هذه هي النقلة الفكرية الأهم التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على التعليم.

في السابق كان السؤال بالنسبة للطالب غالباً: أي تخصص أختار؟

أما اليوم، فالسؤال الأكثر فائدة قد يكون: ما المهارات التي أحتاج إلى امتلاكها مهما كان التخصص الذي سأختاره؟

قد يدرس الطالب تخصصاً تقليدياً، لكنه يتخرج وهو يجيد تحليل البيانات، ويعرف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ويفهم الأمن السيبراني الأساسي، ويستطيع العمل ضمن فريق، ويعرف كيف يتحقق من المعلومات التي تنتجها الأدوات الذكية.

هذا الطالب ستكون لديه خيارات أكثر من طالب يحمل شهادة في تخصص حديث لكنه لم يحصل على تدريب عملي حقيقي.

الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وجهان لقصة واحدة

ربط موضوعي الحلقة ليس مصادفة.

في الجزء الأول، كان الحديث عن كيف يمكن للمحتال استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخداع المستخدم.

وفي الجزء الثاني، كان النقاش عن كيف يحتاج الطالب إلى تعلم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حتى يستطيع المنافسة في المستقبل.

المشكلة والحل يخرجان من البيئة نفسها.

كلما زاد اعتماد المجتمع على التكنولوجيا، ارتفعت الحاجة إلى مستخدمين أكثر وعياً، وإلى مختصين أكثر قدرة، وإلى جامعات تستطيع تدريب هؤلاء المختصين.

وهذا يعني أن الأمن السيبراني لم يعد ملفاً خاصاً بخبراء الكمبيوتر، كما أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تخصصاً خاصاً بالمبرمجين.

كلاهما يتحول إلى جزء من الثقافة العامة والمهارات المهنية.

الوعي الرقمي يبدأ قبل الجامعة

الحلقة قدمت أيضاً رسالة واضحة للطلاب والأسر، وهي أن الحماية لا تبدأ بعد وقوع الاختراق.

كلمة المرور المختلفة، والمصادقة الثنائية، وعدم مشاركة البيانات الحساسة، والتحقق من الروابط، ومراجعة الجلسات النشطة، والاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة، كلها إجراءات يمكن للمستخدم العادي اتخاذها دون أن يكون متخصصاً في الأمن السيبراني.

وفي المقابل، يحتاج الطالب إلى الاستثمار في مهاراته الرقمية قبل الوصول إلى سوق العمل، لا بعد التخرج.

وهذا يجعل مسؤولية الجامعات أكبر، لأن التدريب على التكنولوجيا لم يعد ميزة إضافية يمكن للجامعة أن توفرها إذا أرادت، بل أصبح جزءاً من قدرة الخريج على المنافسة.

الأردن لديه استراتيجية، لكن الاختبار في التنفيذ

الأردن يمتلك بالفعل استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تمتد من 2023 إلى 2027، وخطة تنفيذية تضم 68 مشروعاً في قطاعات متعددة. وتشمل الاستراتيجية بناء القدرات والبحث العلمي والاستثمار والبيئة التنظيمية وتطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية.

كما تظهر في الجامعات مبادرات وتخصصات ومشروعات عملية في هذا المجال، بما في ذلك جامعة الحسين التقنية وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا.

لكن الفجوة التي تستحق المتابعة هي المسافة بين الاستراتيجية وبين تجربة الطالب اليومية.

هل يمتلك الطالب جهازاً ومختبراً وبيئة تدريب مناسبة؟

هل يتلقى تعليماً عملياً؟

هل يستطيع التدريب في شركة حقيقية؟

هل يخرج وهو قادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تخصصه؟

هل يعرف كيف يحمي حساباته وبياناته؟

وهل تستطيع الجامعة تحديث مناهجها بالسرعة التي يتغير بها سوق العمل؟

هذه الأسئلة ستحدد في النهاية ما إذا كان التحول الرقمي في التعليم الأردني تحولاً حقيقياً أم مجرد إضافة أسماء جديدة إلى البرامج الجامعية.

الحلقة السادسة من "صوت شبابي" وضعت قضيتين تبدوان منفصلتين في البداية، لكنهما في الحقيقة مرتبطتان بشكل مباشر.

الأولى، كيف نحمي أنفسنا في عالم رقمي أصبح فيه المحتال أكثر قدرة على الإقناع؟

والثانية، كيف نجهز أنفسنا لسوق عمل تتغير أدواته بسرعة غير مسبوقة؟

الإجابة في الحالتين تبدأ من المعرفة.

المستخدم الذي يعرف أن البنك لن يحتاج إلى كلمة مرور حسابه عبر مكالمة عشوائية، سيكون أصعب خداعاً.

والطالب الذي يعرف أن شهادته وحدها لن تكفي، وسيضيف إليها مهارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن الرقمي، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع سوق العمل.

التحول الجاري لا ينتظر أحداً.

الجامعات مطالبة بتحديث برامجها، والشركات مطالبة بالمشاركة في التدريب، والمؤسسات الرسمية مطالبة بترجمة الاستراتيجيات إلى برامج قابلة للقياس، والأسر مطالبة بإعادة النظر في بعض التصورات القديمة حول التخصصات والوظائف.

أما الشباب، فالمعادلة أمامهم أصبحت أكثر وضوحاً، لا يكفي أن تكون مستخدماً للتكنولوجيا، المطلوب أن تكون واعياً بها وقادراً على استخدامها وصيانتها وحماية نفسك منها عندما تتحول إلى أداة للخداع.

وبالتوازي، لا يكفي أن تتخرج من الجامعة، بل تحتاج إلى أن تعرف كيف تستمر في التعلم بعد التخرج.

في عالم يتغير فيه الذكاء الاصطناعي خلال أشهر، قد تكون القدرة على التعلم وإعادة التعلم أهم من التخصص الذي يبدأ به الطالب حياته المهنية.

والرسالة التي خرجت بها الحلقة تبدو بسيطة، لكنها ثقيلة في معناها، المستقبل لن يكون لمن يملك أحدث جهاز أو أحدث تطبيق، بل لمن يفهم التكنولوجيا بما يكفي ليستخدمها دون أن يصبح ضحية لها، ويطور مهاراته قبل أن يفرض عليه سوق العمل ذلك.