هل أنت عنصري؟

الرابط المختصر

"عنصري" و "إقليمي" و"موقظ فتنة". كلمات تظهر كلما اشتد سجال سياسي أو إعلامي في الداخل الأردني. طبعاً، ولله الحمد، "كل الأردن" تتلقى من هذه الكلمات سيلاً مستمراً من أشخاص وجهات  ضغطت أخبارنا وتحليلاتنا على أعصابهم. كما أن هذه التهم أصبحت جاهزة في وجه كل من يناقش مسألة الهوية في الأردن. ولهذا قد يكون من المفيد مراجعة ماذا تعني الكلمات السابقة بشكل محدد في مواضيع محددة، بالنسبة لي على الأقل. وذلك حتى نخرج من التعميم وحتى نخرج من العتب كذلك.

 


شخصياً أرى أن من حق الأردني، ابن العشائر، أو الموصوف تقليدياً بشرق الأردني، أن يتحدث عن مخاوفه من التوطين، وأن يرفض الوطن البديل، وأن يناقش الإجراءات المتخذة لضمان حق العودة. وأن يرى هوية رئيسة واحدة في بلده: الهوية الأردنية. وذلك لأن هذه المسائل تمس حياته اليومية ومستقبله ومستقبل أبنائه، وهوية بلده.

 

وأعتقد أن من حق (شرق الأردني) أن يتخذ موقفاً معادياً من طروحات الكونفدرالية أو الفيدرالية مع دولة فلسطينية كرتونية يرفضها فلسطينيو الداخل أنفسهم، وأن يتخذ ذات الموقف من كل ما يتعلق بأي فصيل فلسطيني ما دام يرى أن سياسة ذلك الفصيل تتعارض مع مصالح الأردن. ومن حقه أن ينتقد ذلك الفصيل علناً ودون أي حرج أو خشية من سوء التفسير، وعبر وسائل الإعلام الأردنية، ذلك أنه يتصرف وفق منطق دولته (الأردن) وضمن مصالحها كما يراها.

 

ومن حق شرق الأردني أن ينتقد أية جهة وأي شخص –مهما كان أصلها- تتبنى مواقف فصائل فلسطينية معطية إياها أولوية على مصلحة الأردن، ومن حقه أن يشكك في ولاء تلك الجهة أو ذلك الشخص للدولة الأردنية.

 

وحتى لا أفهم خطأ فإنني أرى شخصياً أن حماس مثلاً أحرص على مصالح الأردن من بعض الفئات الحاكمة فيه.

 

ولكن شرق الأردني-وهذا يحصل أحياناً- يصبح عنصرياً إذا بدأ يحمل الفلسطينيين كمجموعة مسؤولية وجودهم في الأردن، وإذا بدأ يتحدث عن الفلسطينيين كسبب لضنك العيش الذي هو فيه. وهو عنصري إذا تحدث بمنطق أن الأردنيين من أصل فلسطيني يسيطرون على الاقتصاد،  معتبراً ذلك نقيصة.

 

وشرق الأردني عنصري إذا ظن أن رفض التوطين يعني الرغبة في الإلقاء بالفلسطينيين خارج الأردن، هكذا.

 

وهو عنصري إذا شكك في ولاء وانتماء الأردنيين من أصل فلسطيني. وعنصري إذا انتقد المسؤول الفاسد انتقائياً، أي يتجنب نقد ابن عشيرته أو من يشابهه في الأصل، ويشتد ساعده النقدي على الفاسدين ذوي الأصل الفلسطيني.

 

ومن ناحية أخرى أرى أن من حق الأردني، ابن الضفة، أو الموصوف تقليدياً بالأردني من أصل فلسطيني، أرى أن من حقه أن يتحدث عن الأردن، وعن مستقبل الأردن وعن مشاكله، وأن ينتقد بكل حرية، دون أن يخشى كلمة تأتي من هنا أو من هناك: "شو دخلك"!

 

ومن حق هذا الأردني أن يحتفظ بحنينه لفلسطين حتى ولو بقي في الأردن عمره كله. ومن حقه أن يناضل من أجل فلسطين وأن يتبرع من أجل فلسطين، وأن يحتفظ بالمفتاح الذي ورثه عن جده.

 

ومن حقه أن يختار! حينما يأتي وقت يمكن فيه الاختيار، من حقه أن يقرر أن يعود أو يبقى. طبعاً هذه المسألة السياسية الإنسانية لا يمكن إطلاقها دون ضوابط يتم ترتيبها، وإلا أصبح حق العودة لا معنى له.

 

ولكن ليس من حق هذا الشخص أن يتمسك بفلسطينيته وجنسيته الأردنية معاً. هنا يصبح عنصرياً. ويكون عنصرياً أكثر إذا طالب بكل الحقوق كمواطن أردني وبقي يعرف على نفسه بأنه فلسطيني، سواء في داخل الأردن أو خارجها. ينبغي عليه أن يتذكر دائماً –لنفسه لا لأي إنسان آخر- أنه مشروع عائد إذا كان بالفعل يعرف عن نفسه بأنه فلسطيني.

 

وهو عنصري تماماً إذا نظر بتحسس إلى اعتزاز الأردني بالأردن، وإذا استنكف عن رفع العلم الأردني في المناسبات والمسيرات، أو مهما يكن. وهو كذلك إذا قال أن الأردن كانت قبل الفلسطينيين خراباً وأنهم عمروها.

 

وهو عنصري تماماً إذا اعتبر أي حديث عن رفض التوطين يعنيه هو شخصياً. وإذا انطلق يدافع عن شخص معين أو تيار معين، فقط لأنه من أصل فلسطيني، رغم وضوح تآمره على الأردن وسيادته. (دحلان مثلاً).

 

إذا وصل الجميع إلى اتفاق على هذه النقاط فإن الأردن سيكون فيه 6 ملايين أردني حين يتلق الأمر بالأردن، و 6 ملايين فلسطيني حين يتلق الأمر بفلسطين.

 

ولكن العنصرية لا تقف هنا. وليس هذا هو المعيار الوحيد الذي نتعنصر عليه. وأرغب هنا في سوق مثال مهم: النظرة إلى المشاريع الإيرانية في المنطقة. فنحن في خانة اختلاف الرأي والتحليل إذا تحدثنا عن المشاريع الإيرانية، أو الأطماع الإيرانية في المنطقة. أو إذا تحدثنا عن الفصائل والأحزاب الموالية لإيران أو المرتبطة بمصالح بها.

 

ولكن من أشد أنواع العنصرية أن تصل الأمور إلى أوصاف مثل (عبدة النار) و(الرافضة) واستخدام أسوأ الصفات للحديث عن الشيعة كمذهب.

 

وبالطبع هناك أمثلة أخرى...

 

ربما يتفق معظم القراء مع ما كتب أعلاه. وهنا المفاجأة! إذ لو وضع كل منا نفسه أمام مرآة تلك المعايير، فهل سيكون عنصرياً أم لا؟