منع إسقاط الحق الشخصي يحقق العدالة لعروس قصر العدل المغدورة
لم يكن مقتل المحامية الشابة زينه على يد شقيقها المدمن مجرد فاجعة أسرية عابرة، بل جرس إنذارٍ خطيرٍ يدق في أروقة المحاكم والمجتمع معًا. هذه الجريمة لا تختصر في كونها اعتداءً وحشيًا على حياة إنسان، بل تكشف خللًا تشريعيًا يسمح بتحويل دم الضحية إلى مادة تفاوض، ويمنح القاتل فرصة الإفلات من العقوبة الكاملة تحت ذريعة التسامح العائلي.
القضية هنا لا تتعلق بروح التسامح بقدر ما تتعلق بالإكراه المجتمعي المقنّع. ففي كثير من جرائم القتل داخل الأسرة، لا يُسقط الحق الشخصي بإرادة حرة، بل تحت ضغط قاسٍ تمارسه البيئة المحيطة.
عقلية ستر الفضيحة تدفع الأهل إلى التنازل تجنبًا لتداول القضية في الرأي العام، وابتزاز العواطف يقنعهم بأن خسارة واحدة خير من خسارتين، بينما يلاحقهم الترهيب الاجتماعي بنبذ كل من يطالب بالقصاص ووصمه بأنه مفكك للعائلة.
في هذا السياق، لا يكون إسقاط الحق الشخصي خيارًا عادلا، بل رضوخًا لواقع مرير، ما يجعل القانون – من حيث لا يقصد – شريكًا في هدر حق الضحية التي لم يعد لها صوت لتدافع به عن نفسها.
الجريمة ليست شأنًا خاصًا.
يجب أن يدرك المشرّع أن القتل العمد، وخاصة داخل الأسرة، ليس نزاعًا مدنيًا ولا خلافًا ماليًا ينتهي بالصلح. إنه اعتداء مباشر على الحق في الحياة وعلى النظام العام. وحين يُخفف الحكم لأن العائلة “تسامحت”، فإن الرسالة التي تُبث للمجتمع خطيرة: حياة الإنسان يمكن التنازل عنها إذا اتفق الأقربون.
وقد أظهرت ممارسات قضائية متكررة أن إسقاط الحق الشخصي أدى في قضايا عديدة إلى تخفيض العقوبة عن الجاني، حتى في حالات توافر القصد الجرمي ووضوح بشاعة الفعل. هذه ليست حالات فردية، بل نمطًا قانونيًا يستدعي المراجعة الجدية.
لم يعد مقبولًا إبقاء باب الأسباب المخففة بإسقاط الحق الشخصي مفتوحًا في جرائم القتل العمد داخل الأسرة. المطلوب اليوم تعديل تشريعي واضح وجريء يقوم على:
منع قبول إسقاط الحق الشخصي كسبب لتخفيف العقوبة في جرائم القتل كليًا.
تحصين القضاء من الضغوط الاجتماعية بنص صريح يعتبر الحق العام في الحياة حقًا لا يسقط بالتنازل العائلي ولا يخضع للمساومة.
حماية ذوي الضحية من الابتزاز العاطفي والاجتماعي عبر إلغاء الأثر القانوني لتنازلهم في الجرائم الجسيمة.
زينه لم تكن فقط أختًا أو ابنة، بل كانت رمزًا للعدالة، وواحدة من فارسات قصر العدل اللواتي آمنّ بالقانون وحملنه رسالةً لا مهنةً فقط. والوفاء لذكراها لا يكون بالرثاء، بل بإصلاح النصوص التي سمحت بتخفيف العقوبة عن قاتلها.
العدالة لا يمكن أن تتحقق بقلوب مكسورة وأيدٍ مرتعشة توقّع على أوراق التنازل تحت وطأة الخوف أو الخجل.
العدالة لا تُسقَط… حتى لو أُجبر الأقربون على إسقاطها.











































