مشعل في عمان .. ماذا عن العلاقة مع حماس؟

انصرفت أسئلة الصحفيين والدبلوماسيين للبحث عن "الأبعاد والخلفيات السياسية" لزيارة رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل لعمان ، للمشاركة في تشييع جثمان والده الذي وافته المنية فيها يوم الجمعة الماضي ، لكأن تأكيدات المسؤولين الأردنيين المشددة على "الطابع الإنساني" للزيارة ، لم تكن مقنعة لهؤلاء ، فواصلوا تنقيبهم عن "السياسة" خلف مظاهر التشييع ومراسم الدفن وتقبل التعازي.

من جهتي أرجح أن تكون الزيارة من وجهة نظر أردنية "إنسانية" بحت ، وهذا ينسجم مع سجل أردني ، حافل بمبادرات من هذا النوع حيال "المعارضين" و"الخصوم" ، ولطالما كان "المرض" او "الموت" سببا في فتح بوابات الحدود ورفع "الأسماء" وإن مؤقتا من لوائح الممنوعين من دخول البلاد... لكن المسألة من زاوية حماس ، تحمل شحنة (تُقرأ رغبة) سياسية إلى جانب الشحنات العاطفية التي تعتمل بلا شك في صدر خالد مشعل.

أقول ذلك ، وأنا من أنصار تفتيح قنوات التواصل والحوار بين الأردن وحماس ، بما يخدم مصلحة الأردن وفلسطين على حد سواء ، فحماس ليست فصيلا يمكن التغاضي عن وجوده أو إنكاره وتجاهله ، بل هي قوة فلسطينية فاعلة ومؤثرة ، الآن وحتى إشعار آخر ، ومن مصلحة الدبلوماسية الأردنية أن تكون على صلة وتواصل عميقين ، أمنيا وسياسيا مع الحركة.

والمؤسف حقا ، أن الحوار الذي فتح بين الحكومة والحركة ، عبر القناة الأمنية ، قبل عدة أشهر ، عاد للانقطاع ، ولم تبق منه سوى اتصالات خفيضة المستوى وذات طيبعة "لوجستية" لا أكثر ولا أقل ، ووفقا لمعلوماتنا فإن الأردن ، ولأسباب نجهلها أو بالأحرى لا نرى أنها مقنعة وكافية ، هو من أغلق الباب في وجه الحوار ، وليس حماس التي لم تكف عن طرقه بحثا عن قناة اتصال ، من أي نوع وعلى أي مستوى.

للأردن حساباته وتحسباته حيال هذا الملف ، بعضها عام يشترك بها مع عدد من دول الاعتدال العربي ، وبعضها خاص يتعلق بخصوصية العلاقة الأردنية - الفلسطينية ، فهو من جهة يرى أن حماس تتموضع في الخندق المقابل لخندق الاعتدال ، وهو من جهة ثانية ، يولي أولوية مطلقة لتحالفه مع "معسكر السلام الفلسطيني" ممثلا بالسلطة والمنظمة وفتح ولا يريد لأية علاقات أو صلات مع أي طرف ، أن تعكر صفو هذه العلاقات.

أما على المستوى الخاص ، فإن الأردن الرسمي ، يخشى "الصلات الخاصة والمتميزة" التي تربط حماس بالإخوان المسلمين الأردنيين ، كما أن "الملف الأمني" هو مكون رئيس في الحسابات الأردنية عندما يتصل الأمر بالعلاقة مع الحركة الإسلامية الفلسطينية ، الأمر الذي يتطلب معالجة تتخطى المناسبات الإنسانية والصلات الأمنية الموسمية الخجولة ، إلى "الحوار الاستراتيجي" الذي يتعين أن يشمل حماس وفتح وكافة مكونات الشعب الفلسطيني ، تماما كما تفعل معظم دول المنطقة ، وبالأخص دول الطوق منها.

وفي ظني (وليس في هذا الظن أي إثم من أي نوع) فإن حماس ، وبخلاف ما نقرأ بين الحين والآخر في زوايا وأعمدة بعض كتابها ، مستعدة للشروع في علاقات أكثر شفافية وإثارة للطمأنينة مع الأردن... وهو استعداد لا يمكن التأكد منه واختبار مدياته وجديته على أية حال ، إلا بالشروع في تدشين صفحة جديدة من العلاقات بين الجانبين ، وهذا ما يتعين على حكومتنا أن تقدم عليه من دون إبطاء.

وغني عن التأكيد أن استعادة العلاقة الأردنية - (الحمساوية) ، ليست متطلبا إجباريا في المرحلة المقبلة فحسب ، بل وحاجة متبادلة ، لا ينبغي النظر إليها بوصفها استهدافا أو استبعادا لأحد أو على حساب أحد ، فهل نأمل أن تكون زيارة مشعل لعمان ، بعد عشر سنوات من الغياب ، مناسبة لتجاوز القطع والقطيعة والانقطاع ، وسانحة لاستئناف الحوار وتطويره ورفع سويته ومستواه،.