مسحراتي 2009 يستخدم الـ(بك أب)

 لم يكن يتخيل أهالي منطقة أبو نصير أن يسمعوا نداء المسحراتي الشهير ''يا نايم وحد الدايم... رمضان كريم'' في أول أيام الشهر الفضيل من داخل صندوق سيارة الـ(بك أب) الخاصة به.


وعلى ابتهالات التي اشتهر بها المسحراتي استقبله أهالي الحي بعد غياب عام كامل، إلا أنهم فوجئوا برؤيته يجلس في صندوق السيارة الخلفي يقرع طبله الكبير بينما يقود شخص آخر البك أب ببطء شديد.


''المسحراتي'' مهنة موسمية وطقس رمضاني بامتياز يغيب عاما كاملا ويعود في ليالي الشهر الفضيل، كما أنه أصبح رمزا رمضانيا ما أن يذكر شهر رمضان حتى يذكروا صوته القوي وأهازيجه الشهيره ، إلا أن تطورات الحياة فرضت عليه القيام ببعض التغييرات الجوهرية على مهنته من أجل ضمان استمرار وجوده.


ولم يعد المسحراتي يجوب الشوارع سيرا على قدميه بعد أن عاد يجوب الشوارع بسيارته بعد ازدياد أعداد الناس وتوسع الأحياء السكنية ليصبح معها السير على الأقدام أمرا صعبا بالنسبة إليه.


وفي أحد أحياء عمان وبينما يقود سائق الـ(بك أب) ببطء شديد يقرع المسحراتي على طبله بقوة وهو واقف في الصندوق الخلفي، يطلق نداءه المشهور لإيقاظ أهل الحي من نومهم لتناول طعام السحور وأداء صلاة الفجر في وقتها.


وعلى ابتهالاته المميزة وصوته الرنان يستيقظ أهالي الحي فرحين بعودة المسحراتي إلى أحيائهم مرة أخرى لتذكيرهم بماض فات، وتراث أعاد المسحراتي إحياءه مرة أخرى.
ولكن يعتبر البعض أن عودة المسحراتي بالسيارة هو أمر يسلبه قيمته التراثية والرمزية بينما يرى آخرون أن هذا تطور طبيعي ومواكبة للحداثة وخدمة للمهنة التي من شأنها أن تتطور كما تطورت باقي المهن والقطاعات في العصر الحالي.


يقول المسحراتي رعد عماد (31عاما) كنت دائما أتابع المسلسلات الرمضانية وأشاهد المسحراتي فيها، وعندها كنت أتمنى أن أكون أنا الشخص الذي يقوم بإيقاظ أهل الحي، طمعا في كسب الأجر من الله سبحانه وتعالى بالإضافة لإعادة إحياء هذا التراث الرمضاني الإسلامي كما أن المسحراتي يجمع مبلغا من المال في نهاية الشهر الفضيل يعينه على مصاريف العيد.


ويضيف الشاب الذي اعتاد منذ سنتين أن يخرج ساعات الليل ليوقظ الناس في سيارة (بك أب) كبيرة أنه من الصعب المسير في الأحياء الكبيرة حاليا دون استخدام السيارة فالأحياء صارت واسعة جدا وازدادت أعداد الناس في المدن وأصبح من الصعب أن يسير المسحراتي في حي يقطنه مثلا (40 ألف) على قدميه في الليل.


ويقول غالب المعاني (51 عاما) أن مهنة المسحراتي هي من الأعمال التراثية التي يتوجب على الجميع احترامها والحفاظ عليها لقيمتها الرمزية باعتبارها من موروثات الشهر الفضيل.
ويرى المعاني والذي كان والده مسحراتي فيما مضى أن استخدام المسحراتي في العصر الحالي لوسائل حديثة تعينه على توظيفها في خدمة مهنته أمر جيد وذلك لأن التكنولوجيا الحديثة وجدت لخدمة الناس ومهنة المسحراتي كغيرها من المهن يجب أن تتطور حتى تحافظ على نفسها ووجودها.
بينما يرى الحاج سالم فتياني والذي كان يعمل مسحراتي فيما مضى قبل أن يقعده المرض أن مهنة المسحراتي يجب أن تبقى على ما هي علية الآن دون أن تدخل فيها وسائل الراحة كي لا تفقدها معناها.


وبين أن تعب المسحراتي أثناء طوافه هو ما يعطيه المتعة كما أن رؤيته لأهل الحي وهم يستيقظون على صوته حين يفتحون شبابيكهم وأبواب بيوتهم ليبادلوه التحية وليشعروه بأنهم استيقظوا هو ما يضفي تلك العلاقة الحميمية بينه وبينهم.


وأضاف أن قيمة المسحراتي الرمزية تأتي من معرفته لأهل الحي بالفرد الواحد وهذا يحصل من خلال مسيرة على قدميه بين البيوت والأزقة وإطلاعه على أحوالهم جميعا، أما ما يحدث الآن فإن المسحراتي إذا قام بإيقاظ الناس وهو على سيارته فإنه لن يعرف أهل الحي وبالتالي سيفقد المسحراتي قيمته المعنوية بين الناس.