لماذا لا يثق الصحفيون بنوايا الحكومة؟!

الرابط المختصر

لا يصدق كثيرٌ من الصحافيين بأن الحكومة أصدرت مدونة سلوك لتعاملها مع الإعلام لضمان حريته واستقلاليته، فهم لا يسلمون ولا يثقون بذلك، ويظنون أن هناك سوء نوايا، وأن وراء هذه الخطوة مؤامرة تستهدف الإعلام.

قرأت مدونة السلوك التي أعلنتها الحكومة ووجدتها إيجابية بمضامينها، فهي تؤيد ضمان استقلال الإعلام، ونحن نعتبر ذلك ركيزة أساسية للحرية، وهي ترفض سياسات شراء الذمم التي مارستها الحكومات لسنوات طويلة لتدجين الصحافة ونجاهر بتأييدنا لذلك، وهي تقول بأنها لن تخضع للابتزاز والمساومة سعياً لتحقيق الشعبية وهو أمر عادل.

إذن، لماذا لم تجد المدونة الترحيب الكبير والدعم اللامحدود لها من الوسط الصحافي؟!
أعتقد أن وراء عدم تفهم الموقف الحكومي أسبابا متعددة بعضها مشروع يستحق الدراسة والتفهم، والآخر مصلحي تماماً، وهو متوقع، ومن غير المعروف إن كانت الحكومة ستخضع له!

نقطة البداية في تحليل الموقف ترتبط بأن الحكومات كانت على الدوام هي التي تسعى إلى السيطرة على الإعلام واستلاب استقلاليته، وبمراجعة بسيطة منذ قانون المطبوعات والنشر المؤقت عام 1997، حتى الآن يتأكد ذلك جلياً، فهي التي سعت لاحتواء الصحافيين، وهي التي غضت النظر عن التداخل الأمني بالإعلامي، وربما استندت إليه لتقوية حضورها وسطوتها، ولا ننسى أنها كانت من يقف ضد تحسين البيئة التشريعية وتضغط على البرلمانات حتى لا تمرر منع توقيف وسجن الصحافيين!

لم يتغير الأمر كثيراً حتى رحيل حكومة نادر الذهبي، وللدلالة على ذلك يكشف استطلاع مركز حماية وحرية الصحفيين للعام 2008 أن 67.3 % من الصحافيين يعتقدون بتدخل الحكومة بوسائل الإعلام، و20 % منهم تعرضوا للمضايقات، 47 % منها ناجم عن الحكومة، وهو ما دفع 94.3 % من الصحافيين إلى أن يفرضوا على أنفسهم رقابة ذاتية عند الكتابة الصحافية.

من حق حكومة سمير الرفاعي أن تقول إنه لا ذنب لها بما حدث بالماضي، وإن الحكم عليها يبدأ منذ لحظة عملها، ولهذا دعونا إلى الحوار ووقف الأحكام المسبقة وبناء التوجهات استناداً إلى فرضيات سوء النوايا. ونطالب الصحافيين بدعم فكرة إنشاء مرصد لمراقبة تطبيق الحكومة لمدونة السلوك، وإن خرقتها فلن نسكت عنها. وفي المقابل لا بد أن نراقب أداء المؤسسات الإعلامية والصحافيين ومدى التزامهم كذلك بمدونات السلوك المهني!

المشكلة لا تنتهي عند الإعلاميين وتجربتهم السيئة مع الحكومات، وإنما ينسحب المشهد إلى أبعاد أخرى ترتبط بشكل أساسي في نظرة الحكومة لوسائل الإعلام. فهل تعتبر الحكومة الصحف مشاريع تجارية و”بزنس”، أم تنظر لها باعتبارها منابر ثقافية تؤمّن للرأي العام حق المعرفة، وتسهم في عملية التنمية المستدامة والإصلاح؟

إذا كانت تراها مشاريع تجارية فقط، وأدارت ظهرها وقالت لمالكيها وصحافييها تدبروا أمركم فنحن لن نعطيكم رعاية أو تميزاً إيجابياً، فهذا موقف نستطيع المجادلة فيه، أما إن كانت تنظر إليها باعتبارها جزءا من المكون الثقافي والتنموي، فنحن نطالبها بدعم الإعلام، ليس “منة” أو مهادنة أو استرزاقاً.

الحكومة تريد دعم الثقافةبـ 1 % من جيوب وسائل الإعلام، ومن هو أحق وأجدر بالاستفادة من هذا الدعم أكثر من وسائل الإعلام ذاتها، التي تحتضر، وهي تعوض المزارعين إذا تضررت مزارعهم بسبب سوء الطقس، وأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى، فلماذا يقف الأمر عند مساندة الإعلام فيصبح الفساد الوحيد الذي لا بد من القضاء عليه؟!

باختصار؛ الحكومة مطالبة بإيجاد وسائل دعم شفافة للإعلام، ومن موازنة الدولة، مثل الأحزاب حتى لا تفرض الحكومة وصايتها، ومن المهم أن تضع معايير مهنية وفنية لهذا التمييز الإيجابي، وأن يسند التنفيذ للجنة مستقلة تضم خبراء ولا تتدخل الحكومة بشأنها.

المعايير المهنية كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر عمر الوسيلة الإعلامية، وانتظامها بالصدور، وتحليل مضمون منتجها الإعلامي ومهنيته، وعدد الصحافيين والفنيين الذين يعملون بها، وكم عدد قضايا القدح والذم التي خسرتها في المحاكم بشكل قطعي؟

أما من يبحثون عن مصالحهم في الإعلام، وعن علاقة نفعية واسترزاق من دون التزامات متقابلة وتطوير مهني يوقف حالة الفوضى غير الخلاقة في الوسط الصحافي، فهؤلاء ليسوا منا، ومشكلتنا أن هؤلاء هم من غرق بنعيم الحكومات وعطاياها طوال السنوات الماضية!