كل "مدونة" وأنتم بخير !!
قبل اسبوع واحد فقط زار عمان صحافي اجنبي عمل ويعمل في صحف غربية كبرى. حدثني عن التحديات والمتاعب المالية التي تواجهها كبريات الصحف الغربية التي توجهت الى دعم موقفها المالي والتسويقي بالمواقع الالكترونية التي تستقبل المشتركين فقط... يعني »القراءة بالاجرة«... لتعويض النقص في دخل الاعلان وانخفاض عدد قراء الصحيفة الورقية المطبوعة كما اضطر بعضها الى الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين...
ومنذ اعوام مضت علمت من ناشر صحيفة عربية صدرت في روما ان الحكومة الايطالية تدعم ورق الصحف بنسبة 80% من الثمن الاجمالي, وبعدها علمت ان الحكومة الكويتية تدعم الصحف اليومية بدفع مبلغ سنوي مقطوع يعينها على الاستمرار »دون منّة« ومن دون الالتزام بتقديم اي تنازلات , ومن دون ممارسة اي ضغط للتراجع عن حرية الرأي والتعبير...
وفي بيروت اضطرت الصحف الى تخفيض عدد صفحاتها والى تسريح بعض موظفيها والاستغناء عن خدماتهم بسبب التراجع في نسبة التوزيع والاعلان بوجود محطات التلفزيون المحلية والفضائية, وربما عمدت الى هذا النهج بعض الفضائيات ايضاً بسبب تراجع واردات الاعلان في ظل الازمة الاقتصادية, اما الصحف الاردنية فقد صمدت في وجه الازمة وحافظت على موظفيها ومستواها المهني رغم التحديات المالية...
هذه المقدمة تقودنا الى الحديث عن واقع الصحافة الاردنية في خضمّ الجدل حول مدونة حسن السلوك والاخلاق الحميدة التي شغلت الحكومة كما شغلت الصحافة التي وضعت نفسها في دائرة الاتهام وانبرت الاقلام وانقسم القوم بين فريق يتهم, جلس في مقعد المدعي العام وبين فريق مدافع ومرافع, بحيث لم يعد باستطاعة المواطن التمييز اذا ما كانت الصحافة في حضن الحكومة بسبب المغريات او ان الحكومة تهادن الصحافة خوفاً من الابتزاز!!
وعندما نعود الى القضية الرئيسية التي اشرت اليها في المقدمة نجد أن الحكومة الحالية تريد ترهيب الصحافة والتلويح بإضعافها منذ الليلة الاولى فهي تريد وقف الاشتراكات في الصحف وشراء النسخ من السوق, وتتحكم بسوق الاعلان الرسمي ايضا وهو »الاعلان بالكلمة« أي الاعلان الرخيص »ابو قرش ونص« وهنا يحق القول »أحشفاً وسوء كيلة«?!
وبعد وقف الاشتراكات وادارة سوق الاعلان الرسمي اعطت الحكومة لنفسها صلاحية تحديد نشر الاعلان المجاني بالنسبة للحجم وعدد المرات وهي تتصرف وكأنها مالكة للصحف وصاحبة الحق في نشر اعلان مجاني بالحجم الذي تريد!!
كل ذلك يعني, وفي غياب مجلس النواب ودوره الرقابي, أن السلطة التنفيذية تريد تحجيم وتعطيل الدور الحقيقي للصحافة تحت عنوان »مدونة السلوك« التي ستبدأ الحكومة بتطبيقها في بداية العام الجديد, وسط انقسام في الساحة الصحافية بين مؤيد للمدونة او معارض لها, وقد وصل »الحوار الديمقراطي« بين الزملاء الى التراشق بالاتهامات بشكل غير مسبوق...
من حق الحكومة ان تضع ما تشاء من الخطط والبرامج والمدونات لتنظيم علاقتها مع الصحافة وأن تُحصّن نفسها ضد الابتزاز او الدخلاء على المهنة, ولكن من حق الصحافة ايضا ان تحصل على الاعلان الحكومي بالسعر العادل علماً بأن سعر الإعلان التجاري والرسمي في الصحف الاردنية هو الارخص في العالم. وكذلك من حق الصحافة الحصول على المعلومة والاشتراك من اجل ديمومتها واستمرارها وتطوير المهنة التي صارت صناعة راسخة ومهمة, اضافة الى انها تحمل صوت وصورة الاردن في الداخل والخارج, كما من حق الصحافة ايضا ان تحصل على اعفاءات ضريبية وتسهيلات تمكنها من تطوير وتحصين نفسها ضد الاغراءات كي تحافظ على استقلاليتها وتتمسك بحرية الرأي والتعبير, وتتمكن من الوصول الى المعلومة ونقلها بمصداقية ومسؤولية الى المواطن الذي من حقه الحصول على الحقيقة... وكل مدونة وانتم بخير... وعام جديد وسعيد جداً....











































