كتّاب المقالات في الأردن يناقشون تداعيات الحرب على إيران، الأمن الوطني والاقتصاد والطاقة في صدارة الاهتمام
شهدت مقالات الرأي في الصحافة الأردنية خلال الأيام الأخيرة نقاشاً واسعاً حول تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وانعكاساتها على الأردن سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وتناول عدد من الكتّاب قضايا متعددة، من بينها ضرورة بناء منظومة طوارئ وطنية، وتأثيرات الحرب على الاقتصاد والطاقة، إضافة إلى قراءة استراتيجية لمسار المواجهة في الإقليم.
نضال منصور: الحاجة إلى خطة طوارئ وطنية شاملة
ركز الكاتب نضال منصور على البعد الأمني الداخلي، معتبراً أن التطورات العسكرية في المنطقة كشفت الحاجة الملحّة إلى خطة طوارئ وطنية متكاملة. وأشار إلى أن الأردن نجح خلال الأسبوعين الأولين من الحرب في تقليص الأخطار المباشرة التي تهدده، بفضل جاهزية القوات المسلحة التي تصدت للصواريخ والطائرات المسيّرة التي حاولت اختراق الأجواء الأردنية.
وأوضح أن الموقف الأردني يقوم على مبدأ واضح يتمثل في رفض تحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي، ورفض انتهاك أجوائها من أي طرف. وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن الموقف السياسي يدين الاعتداء على إيران لكنه يرفض أيضاً أن تفرض طهران أجندتها على المنطقة أو على الأردن.
ويرى منصور أن الجبهة الداخلية الأردنية ما تزال متماسكة، رغم الاختلافات في الرأي داخل المجتمع حول الحرب. ويشير إلى أن النقاشات السياسية في الأردن تبقى ضمن إطار وطني جامع يؤكد أن السيادة الأردنية خط أحمر.
لكن الكاتب يلفت إلى أن التطورات العسكرية كشفت ثغرات في البنية التحتية للطوارئ، متسائلاً عن جدوى صفارات الإنذار في غياب ملاجئ عامة كافية. ومن هنا يدعو إلى إطلاق خطة حكومية عاجلة لبناء ملاجئ في الأحياء السكنية، وإيجاد حوافز لتحويل كراجات العمارات إلى ملاجئ، إلى جانب بناء منظومة متكاملة للتعامل مع الكوارث والأزمات مثل انقطاع الكهرباء أو تعطل الخدمات الأساسية.
أحمد عوض: الاقتصاد الأردني تحت ضغط الحرب
من جانبه ركز الكاتب الاقتصادي أحمد عوض على التأثيرات الاقتصادية للحرب، مؤكداً أن الأردن ليس طرفاً مباشراً في الصراع، لكنه يتأثر بشكل واضح بتداعياته الاقتصادية، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
ويشير عوض إلى أن أولى هذه التأثيرات تظهر في قطاع الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة فاتورة الاستيراد بملايين الدولارات شهرياً، ما ينعكس تدريجياً على أسعار الكهرباء والنقل والإنتاج، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلي.
كما يحذر من سيناريو أكثر خطورة يتمثل في تعطل الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والتأمين والشحن، وهو ما سيؤثر مباشرة على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد وسلاسل التوريد العالمية.
ويتوقف عوض أيضاً عند قطاع التجارة، موضحاً أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري والجوي يضعف تنافسية الصناعة الأردنية ويرفع كلفة الإنتاج، بينما يعد قطاع السياحة من أكثر القطاعات هشاشة، إذ إن أي تحذيرات سفر إلى المنطقة قد تؤدي إلى تراجع أعداد السياح بشكل سريع.
ويرى الكاتب أن الحكومة نجحت حتى الآن في احتواء الأثر الأولي للأزمة عبر الحفاظ على الاستقرار المالي ومراقبة الأسواق، لكنه يشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب خطة اقتصادية أكثر شمولاً تشمل حماية الفئات الأكثر هشاشة، ودعم القطاعات المتضررة مثل السياحة والنقل، وتأمين مصادر تمويل خارجية عند الحاجة.
عامر سبايلة: استراتيجية أميركية متعددة المراحل ضد إيران
أما المحلل السياسي الدكتور عامر سبايلة فقدم قراءة استراتيجية للحرب، معتبراً أن ما يجري ليس حرباً تقليدية بل عملية عسكرية وسياسية مركبة تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني تدريجياً.
ويشرح سبايلة أن الاستراتيجية الأميركية بدأت بضربات استخباراتية وعسكرية استهدفت قيادات وقدرات دفاعية، قبل أن تنتقل إلى مرحلة السيطرة الجوية وتوسيع نطاق الهجمات على البنية العسكرية والاقتصادية للنظام.
ويرى أن المرحلة الأكثر حساسية في هذه العملية هي استهداف أدوات السيطرة الداخلية للنظام، مثل الحرس الثوري والباسيج، في محاولة لإضعاف قدرته على ضبط الداخل الإيراني.
وفي المقابل يشير إلى أن إيران حاولت الرد عبر التصعيد الإقليمي، من خلال التهديد بأمن الملاحة في الخليج أو استخدام حلفائها في المنطقة، مثل الميليشيات العراقية وحزب الله، بهدف رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.
وبحسب سبايلة، فإن واشنطن وتل أبيب تسعيان هذه المرة إلى تحقيق انتصار استراتيجي واسع، لا يقتصر على إضعاف إيران فقط، بل يمتد إلى تقليص نفوذ حلفائها في المنطقة، خصوصاً في العراق ولبنان.
هاشم عقل: تحديات أمن الطاقة في الأردن
بدوره تناول الكاتب هاشم عقل ملف الطاقة، مشيراً إلى أن الأردن يعد من أكثر الدول حساسية تجاه تقلبات أسواق الطاقة، إذ يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 91 بالمئة من احتياجاته.
ويوضح أن التوترات الإقليمية الأخيرة أدت إلى انقطاعات في إمدادات الغاز الطبيعي، ما دفع الحكومة إلى تفعيل خطط الطوارئ عبر التحول إلى وقود بديل مثل الديزل والوقود الثقيل لتوليد الكهرباء، إضافة إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال عبر ميناء العقبة.
كما يشير إلى أن الأردن يعمل على تنويع مصادر الطاقة عبر استيراد الغاز من أكثر من مصدر، إلى جانب زيادة الإنتاج المحلي من حقل الريشة، وتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة التي تستهدف رفع مساهمتها في إنتاج الكهرباء إلى نحو 50 بالمئة بحلول عام 2030.
ويرى عقل أن الحل طويل المدى يتمثل في تعزيز أمن الطاقة عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير مشاريع الزيت الصخري، وتوسيع الربط الكهربائي مع الدول المجاورة.
عصام قضماني: تعويم أسعار المحروقات كخيار اقتصادي
وفي سياق متصل ناقش الكاتب عصام قضماني قضية تسعير المحروقات في الأردن، مشيراً إلى أن أسعار الوقود المحلية مرشحة للارتفاع نتيجة الزيادة المتسارعة في أسعار النفط العالمية بسبب الحرب في المنطقة.
ويؤكد أن آلية التسعير الحالية، التي تعتمد مراجعة شهرية للأسعار، قد لا تعكس التغيرات اليومية السريعة في الأسواق العالمية، ما يجعلها مرهقة للخزينة ومربكة للمستهلكين في الوقت نفسه.
ويقترح قضماني التوجه نحو تعويم أسعار المحروقات وربطها مباشرة بالأسعار العالمية، مع إنشاء صندوق تحوط لحماية الفئات الأكثر تضرراً من تقلبات الأسعار، بدلاً من استمرار الحكومة في تحمل أعباء دعم الأسعار أو تبرير زياداتها.
تعكس هذه المقالات تنوع زوايا النقاش في الصحافة الأردنية حول الحرب وتداعياتها، حيث يركز بعض الكتّاب على البعد الأمني الداخلي وضرورة الاستعداد للطوارئ، بينما يتناول آخرون التحديات الاقتصادية والطاقة، في حين يقدم محللون سياسيون قراءات استراتيجية لمسار المواجهة في المنطقة. ويجمع معظمهم على أن الأردن يقف أمام مرحلة حساسة تتطلب مزيجاً من الحذر السياسي والاستعداد الداخلي لمواجهة تداعيات أزمة إقليمية مفتوحة.











































