"فايننشال تايمز": فوضى سوق النفط أسوأ مما يُتصوّر.. اضطراب عميق

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تقريرا يشير إلى أن استقرار أسعار النفط العالمية الظاهري يخفي اضطرابًا أعمق، ذلك أن مؤشرات مثل برنت وغرب تكساس لا تعكس حجم الأزمة الحقيقي في ظل إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت الصحيفة،  إن حجم الصدمة الحالية يثير تساؤلات حول سبب عدم ارتفاع أسعار النفط أكثر مما هي عليه الآن، لكن خصوصيات السوق تخفي عمق الأزمة. فالنفط ليس منتجًا واحدًا متجانسًا بل له أنواع متعددة تختلف في الكثافة ومحتوى الكبريت والاستخدامات، ما يعني أسعارًا ومشترين متنوعين حول العالم. وعندما يُذكر سعر "برنت" أو "غرب تكساس"، فإن المقصود عادة هو سعر البرميل للعقود الآجلة لتسليم نفط بحر الشمال أو خليج المكسيك.

لكن هذه المؤشرات لا تعكس حجم الاضطراب بالكامل. فالمشترون يسابقون الزمن لتعويض النقص القادم من الخليج، ما رفع أسعار خامات من النرويج إلى كازاخستان، ودفع نفط عمان إلى مستوى قياسي تجاوز 150 دولاراً للبرميل. وتجدر الإشارة إلى أن إغلاق مضيق هرمز بفعل الحرب في الشرق الأوسط قطع نحو خمس إنتاج العالم عن الأسواق، وزاد الطلب على خامات مشابهة لنفط الخليج.

وأشارت الصحيفة إلى أنه مع تراجع سعر برنت إلى ما يزيد قليلا عن 100 دولار بعد أن قفز إلى 120 في بداية الحرب، سجّلت مؤشرات إقليمية مستويات غير مسبوقة. وحسب ديفيد فايف، كبير الاقتصاديين في "أرغوس ميديا"، فإن "الندرة المادية هي ما ترفع الأسعار". فقد بلغ سعر نفط عمان نحو 154 دولاراً يوم الثلاثاء الماضي، وسط منافسة شرسة على الكميات المحدودة الخارجة من المنطقة، قبل أن يسجل لاحقًا رقمًا قياسيًا بلغ 173.24 دولار.

ارتفعت أيضًا أسعار نفط النرويج والجزائر وكازاخستان بسبب تشابهها مع خامات الخليج المحتجزة داخل المضيق، ويعكس ذلك يأس بعض المصافي الآسيوية التي تدفع أي ثمن لتأمين احتياجاتها، رغم أن الشحنات من أوروبا تستغرق وقتًا أطول للوصول.

وفي الوقت نفسه، فإن العقود الحالية لخام برنت وخام غرب تكساس هي للتسليم في أيار/ مايو، حين يُتوقع ضخ كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية، مما يؤدي إلى هذا التباين الكبير في الأسعار. لكن هذا لا يعني أن جنون أسعار الخليج غير مقلق، ذلك أن محللي "جي بي مورغان" يرون أن هذه المؤشرات أكثر حساسية للاضطرابات وتعكس الندرة بشكل أوضح من أنواع النفط الخام المرتبطة بالمحيط الأطلسي.

وأشار محللو "جي بي مورغان" إلى أن آسيا هي الأكثر تضررًا، إذ تستورد عبر المضيق نحو 11.2 مليون برميل يوميًا من الخام و1.4 مليون برميل من المنتجات المكررة، ما يجعل النقص الفوري أكثر تأثيرًا هناك، وقد بدأت تظهر بالفعل مؤشرات تراجع الطلب مع ارتفاع الأسعار بشكل حاد.

وأكدت الصحيفة أيضًا أن عامل الزمن يزيد الفجوة: فالشحن من الخليج إلى آسيا يستغرق 10-15 يومًا، بينما إلى أوروبا يحتاج 25-30 يومًا عبر قناة السويس، أو 35-45 يومًا حول رأس الرجاء الصالح. لذلك يظهر أثر الانقطاع أسرع وأشد في آسيا، بينما يظل برنت وغرب تكساس محميين مؤقتًا بالمخزونات.

ويخلص محللو "جي بي مورغان" إلى أن الأسعار الجامحة في عمان ودبي قد تكون نذيرًا لما سيصيب المؤشرات الكبرى إذا لم يُفتح المضيق سريعًا، فاستقرار برنت وغرب تكساس ليس دليلاً على وفرة المعروض، بل مجرد انعكاس لمخزونات مؤقتة وتدخلات سياسية. وإذا استمر الإغلاق، فلن يدوم هذا التباين، وسيرتفع برنت وغرب تكساس مع استنزاف المخزونات واضطرار السوق العالمية للتعامل مع نقص حقيقي في الإمدادات.