صحافة المجاملات.. خدمة مجانية مع مقدار من "العشم"

صحافة المجاملات.. خدمة مجانية مع مقدار من "العشم"
الرابط المختصر

الى جانب الأخبار والمقالات والتحقيقيات والاعلانات والصور وباقي المواد الصحفية الاعتيادية، يجد القارئ أمامه في كل صحيفة مواد أخرى تقع بين هذه التصنيفات أو قد تشبهها معاً..

 

هي مواد فيها من صفات الأخبار لكنها ليست من صنع الصحيفة ولا تخضع للتحرير الاعتيادي الذي يجري لباقي الأخبار، وفيها من مواصفات التحقيق لكنه هنا قادم من خارج الصحيفة، وفيها صور لكنها لم تلتقط من قبل مصوري الصحف، وهي تشبه الاعلان لكنها غير مدفوعة الأجر.

اخترنا أن نسميها صحافة المجاملات، حيث تحرص كل الصحف على تقديم ما يتيسر منها على أمل أن تقود تلك المجاملة الى علاقة طيبة أو ربما.. اعلان طيب!

في السنوات الأخيرة قامت الصحف بتنظيم هذه العملية واختارت لها عناوين، ففي صحيفة "الرأي" مثلاً توجد على الدوام في قسم الاقتصاد زاوية كبيرة قد تغطي صفحة كاملة في بعض الأحيان تحت عنوان "نادي الأعمال"، وهي صفحة للعلاقات العامة مع الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال تتزاحم فيها الصور والمواد الاخبارية القادمة من المصدر، بل إن الصحيفة تعلن ترحيبها بهذه المواد من خلال مواظبتها على الاعلان عن دعوة أصحاب الشركات الى إرسال أخبارهم ونشاطاتهم وخصصت لذلك بريداً الكترونياً خاصاً.

في "العرب اليوم" زاوية قديمة بعنوان VIP لخدمة رجال الأعمال تعرض فيها أخبارهم ونشاطاتهم ومنتجاتهم الجديدة، والأمر يتكرر في صحيفة "الغد" حيث تنشر صفحة بعنوان "شركات وأعمال" لنفس الغاية. اما صحيفة "الدستور" فتقوم بتوزيع هذه الأخبار على صفحاتها. والملاحظ أن هذه المساحات تقع عند جميع الصحف في أقسام الاقتصاد... إنها إذن مجاملات تعرف هدفها بالتحديد.

حتى من حيث الشكل قد يكتشف القارئ بسهولة أن المادة قادمة من خارج الصحيفة، ففي كثير من الأحيان تكون مطبوعة بحروف خاصة غير تلك المستخدمة في باقي المواد، وكذلك من حيث الصور والاخراج الصحفي. وفي هذه الحال تكون المادة تشبه الاعلان تماماً، لكن الصحيفة تحرص على أن توضح انه اعلان مجاني فتضعه في خانة الخدمة.

تختلف المواد التي تنشر في هذه المساحات عن مواد اخرى تنشرها الصحف على سبيل المجاملة أيضاً ولكن هذه المرة لمصلحة خدمة عامة أو لجهة خيرية غير ربحية، ولكن الصحيفة هنا تحرص على ايراد عبارة صغيرة يراها القارئ المدقق أسفل المادة تقول "هذا الاعلان بدعم من الصحيفة". ويمكن بسهولة هنا اكتشاف الفارق، فرجال الأعمال والشركات الكبرى لا يقبلون أن يطلق على نشر أخبارهم "دعماً"، إنهم هم الذين يدعمون غيرهم، وعلى ذلك فإن قيام الصحف بنشر أخبارهم هو نوع من الاعتراف بالفضل والجميل.

في بعض الأوقات لا يجري ضبط هذه العملية جيداً، فقد تصل المادة من المصدر الى الصحيفة وتجد طريقها الى تلك الزوايا، وفي ذات الوقت يقوم المندوب بإحضارها بعد أن يعد أصحاب العلاقة بتمريرها، وفي هذه الحالة يحصل أن تنشر نفس المادة مرتين في ذات العدد.

في حالات أخرى تحاول الصحف الايحاء انها تنشر هذه المواد باختيارها وتقدمها باعتبارها مادة خاصة بها من صنعها، بل وقد يكتب المندوب اسمه فوقها، ولكن سرعان ما ينكشف الأمر بعد أن يتبين أن جميع الصحف نشرت نفس الصيغة، وما تغير هو اسم المندوب الصحفي فقط. وبالطبع في بعض الحالات فإن بعض هذه الممارسات يحاط بكثير من الكلام عن شكل من أشكال الفساد الصحفي، وخاصة عندما يترافق ذلك مع كلام عن فائدة شخصية تلقاها الصحفي مقابل نشر تلك المادة.. إنها هنا شكل من المجاملة على حساب الصحيفة، ولكن في كثير من الأحيان بموافقة الصحيفة ورضاها.