ذا جارديان: موسم قطاف الزيتون العريق في الأردن ذبل تحت وطأة موجات حر قياسية
يسير أبو خالد الزعبي، 67 عاماً، ببطء بين أشجار بستانه في إربد شمالي الأردن، فيما تتطاير سحب من الغبار مع خطواته فوق أرض متشققة أنهكها الجفاف، تحت ظلال أشجار زيتون يعود عمرها إلى مئات السنين. يتوقف عند جذع ملتف، وقد تشققت قشرته وتقشرت بفعل أشهر طويلة من الحر المتواصل.
يشير الزعبي إلى الأغصان التي كان يفترض أن تنحني تحت ثقل الثمار الناضجة، لكنها اليوم تمتد إلى الأعلى شبه عارية، لا يتشبث بها سوى عدد قليل من حبات الزيتون الذابلة على سيقان يابسة.
على مدى ما يقارب عقدين، اعتنى الزعبي بهذه الأشجار، وتعلّم إيقاعها عبر مواسم الوفرة والشح. غير أن هذا الموسم كان خارج كل التوقعات.
يقول لصحيفة الغارديان وهو يتفقد حجم الضرر: لم أشهد شيئاً كهذا من قبل، لقد خسرنا أكثر من نصف المحصول قبل أن يبدأ القطاف أصلاً.
لم تعد قصته استثناءً، بل باتت تتكرر في مختلف مناطق زراعة الزيتون في الأردن. فالبلاد تواجه أضعف موسم لزيت الزيتون منذ أربعة عقود، مع تراجع الإنتاج بما يصل إلى 70 بالمئة مقارنة بالعام الماضي. وفي المواسم الاعتيادية، يبدأ قطاف الزيتون في أواخر أيلول، وتباشر المعاصر عملها بحلول منتصف تشرين الأول، غير أن الحصاد هذا العام لم ينطلق إلا في مطلع تشرين الثاني.
وبحسب المركز الوطني للبحوث الزراعية، فإن الأزمة تهدد قطاعاً يؤمّن مصدر رزق لنحو 80 ألف أسرة، ويسهم بأكثر من 1.4 مليار دولار في الاقتصاد الأردني سنوياً. ومع وجود ما يقدّر بنحو 12 مليون شجرة زيتون منتجة، تتركز غالبيتها في محافظات إربد وعجلون وجرش والمفرق، شكّلت زراعة الزيتون على مدى أجيال العمود الفقري للحياة الريفية. ولطالما حقق الأردن شبه اكتفاء ذاتي في إنتاج زيت الزيتون، ملبياً 98 بالمئة من احتياجاته المحلية، إضافة إلى عائدات التصدير. إلا أن هذه المعادلة باتت اليوم مهددة.
في المناطق الشمالية الأكثر تضرراً، تراجع الإنتاج إلى 10 بالمئة فقط من المتوسط البالغ 200 ألف طن، والذي كان عادةً ينتج نحو 30 ألف طن من الزيت. وارتفعت الأسعار بشكل كبير، حيث أصبح سعر عبوات زيت الزيتون سعة 20 لتراً يصل إلى 190 دولاراً مقارنة بـ140 دولاراً سابقاً، بينما بلغت علب الزيت سعة 16 كيلوجرام 140 ديناراً أردنياً (197 دولاراً) – بزيادة قدرها 40 بالمئة عن المعدل الطبيعي.
ويقول محمود العوران، مدير اتحاد المزارعين الأردني: «هذا العام، كانت درجات الحرارة أعلى من المعدل الطبيعي بما يتراوح بين 10 و15 درجة مئوية، ما أدى إلى تأخير الحصاد الشتوي وأثر على تقريباً كل القطاعات الزراعية».
تُظهر سجلات المناخ الصادرة عن دائرة الأرصاد الجوية الأردنية مدى حدة الظروف في عام 2025، بما في ذلك موجة حر شديدة استمرت 13 يوماً من 12 إلى 24 آب، وهي الأطول المسجلة في المملكة.
وجاء موسم الأمطار 2024-2025 ليضيف ضربة جديدة، حيث تراوحت معدلات الهطول من 15% فقط من المتوسط الموسمي في العقبة إلى 79% في أجزاء من وادي الأردن الجنوبي. فيما تلقت المناطق الشمالية والوسطى نحو 54% من المعدل الطبيعي للأمطار، وهو ما شكل كارثة للبساتين المعتمدة على المطر، والتي لا تستخدم أنظمة ري.
يوضح العوران: «أشجار الزيتون هنا تعتمد على الأمطار للنمو، وليس على الأسمدة الكيميائية. الحرارة والجفاف تقللان من المياه المتاحة للأشجار، ما يؤدي إلى ثمار أصغر وزيوت أقل جودة». وقد أثرت موجة الحر الطويلة بشكل كبير على تكوين الثمار وتركيب الزيت، تاركة المزارعين عاجزين عن تعويض النقص رغم الري التكميلي واستخدام الأسمدة.
استجابةً لنقص الزيت، تسمح الحكومة الآن لزائري الضفة الغربية بإدخال خمس علب زيت زيتون إلى المملكة، فيما تعهد وزير الزراعة بفتح باب الاستيراد إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
تقول أمل الغوانمة، رئيسة جمعية أرض السنديان للتنمية البيئية: «زيت الزيتون جزء متجذر في نسيج الحياة الأردنية. وعندما يقل الإنتاج، تعاني كل أسرة، إذ تضطر لاستيراد الزيت بأسعار مرتفعة، ما يعطل العادات والوجبات التقليدية».
ويشير فايض الزيوّد، رئيس جمعية منتجي ومصدري الزيتون الأردنية، إلى أن بساتين الزيتون الصغيرة، التي تحقق عادةً نحو 5 آلاف دولار دخل سنوي، تواجه الآن خسائر كبيرة. وستتأثر النساء، اللواتي يشكلن العمود الفقري لعملية الحصاد، بانخفاض فرص العمل بشكل حاد.
تضيف الغوانمة: «أقصى التغيرات المناخية أوجدت تراجعاً غير مسبوق في نظم الزراعة التقليدية. الأمطار كانت شحيحة وغير منتظمة، وعندما هطلت، لم تسهم بشكل يذكر في تجديد خصوبة تربتنا الغنية بالمعادن».
ويطالب المزارعون الأردنيون بتوفير أصناف زيتون مقاومة للجفاف، وتحسين البنية التحتية للري، واعتماد ممارسات زراعية متوافقة مع المناخ.
ويختم الزعبي بالقول: «أخشى اليوم الذي قد أضطر فيه أنا أو أحفادي لترك زراعة الزيتون، العمل الذي عاشت وتنفست عائلتنا تفاصيله لأجيال. دون دعم حقيقي، قد لا تصمد هذه الأشجار… ولن تصمد حياتنا وطريقتنا في العيش معها».















































