"الولادة من الخاصرة"... النساء والرياضة في الأردن

الرابط المختصر

حققت المرأة الأردنية إنجازات عديدة في المجالات الرياضية المختلفة ابتداء من كرة القدم وليس انتهاء بالرياضات القتالية المختلفة، إلا أن تلك الإنجازات التي ولدت من الخاصرة ظلت حبيسة للصورة النمطية التي لا تقبل الجمع بين الأنوثة والرياضة. 

فعلى الرغم من قصص النجاح العديدة التي سجلتها نساء أردنيات في العديد من المجالات الرياضية خلال الأعوام الماضية إلى أن جائحة كورونا أثرت على نسبة مشاركتهن في الرياضة لتنخفض ما بين عامي 2019 و2020إلى أقل من النصف. 

يشجع الأهالي أبنائهم الذكور أكثر من الإناث على ممارسة الرياضات المختلفة، وهذا بحسب لاعبات رياضيات فإن تمركز الأماكن الرياضية في العاصمة عمان، وسوء خدمة المواصلات العامة، والتنمر على النساء الرياضيات، وغيرها من الأسباب كانت تضعف من مشاركة المرأة في القطاع الرياضي. 

التنمر الرياضي 

“كثير ناس عالسوشيال ميديا بتنمروا علينا، لما يكون الي مقابلات بكتبوا التعليقات الغريبة، انه كيف بنت بتلعب رياضة قتالية، وكيف بتلعب تايكوندو" تقول جوليانا الصادق (26 عاما) لاعبة التايكوندو والتي حازت على الميدالية الفضية بدورة الألعاب الآسيوية عام 2018م وذهبية آسيا في 2021م.

 

 

الصورة النمطية من قبل المجتمع عن المرأة الرياضية دفعت جوليانا للابتعاد عن قراءة التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي "صرت احاول ما اقرأ التعليقات عشان ما تأثر على نفسيتي، وتضايقت إنه بشوف ناس منتقدين وأنا مش متعودة على هذا لأنه أهلي داعمين إلي".

 

دعم عائلة جوليانا كان سببا لاستمرارها منذ بداية لعبها لرياضة التايكوندو بعمر سبع  سنوات وزيادة ثقتها بنفسها في كل مرة، لكن في الوقت نفسه كان هناك من يرى أن أنوثة المراة تمنعها من لعب الرياضة "ما بعرف ليش الناس بتفكر إنه البنت ما بتنفع للرياضة أو لازم تكون مش انثى، الرياضية بتقدر تحافظ على انوثتها وتحافظ على جسمها صحي متناسق، لكن بالنسبة إلنا المهم نعمل اشي بنحبه وما نهتم لهذا الحكي".

 

مع بداية مسيرتها في رياضة الجوجيتسو القتالية، لم تمنع التعليقات السلبية رانيا مقبل (21 عاما)، لاعبة المنتخب الوطني للجوجيتسو، من المثابرة للوصول إلى هدفها " كنا نسمع من الناس اللي حولينا شو بدك فيها هاي اللعبة مارح تفيدك، بس بالنسبة الي فادتني كثير لأكون بشتغل كمدربة جوجيتسو بعمر الـ 18 عام".

حازت رانيا على الميدالية البرونزية في منافسات بطولة آسيا للجوجيتسو والمقامة في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وترى أن دعم أهلها ومدربيها في مسيرتها الرياضية سببا في تجاوز التحديات التي مرت بها " أول تحدي واجهني إنه أنا أول بنت محجبة بتلعب رياضة جوجيتسو، وكان بشكلّي عائق في البداية بتذكر أنه خسرت مباراتين بسبب إنه الحجاب ما بظل ثابت، وثاني تحدي كان بسبب بعد المسافة بين بيتي ومكان التدريب لكن بفضل مدربتي وثقة أهلي استطعت تجاوز هذا التحدي".

 

ترى رانيا أن أحد أسباب التنمر على النساء الرياضيات كثيرة أهمها غياب الثقافة الرياضية عند المجتمع، الصورة النمطية الخاطئة التي تفترض أن الأنوثة والقوة لا يلتقيان، بالإضافة لفكرة أن المرأة القوية القادرة على تحدي  المصاعب هي فكرة يصعب تقبلها من المجتمع لأن صورة النساء مرتبطة بالأذهان بالضعف، وهذا ما يفاجئهم بوجود  نساء قادرات على بناء مستقبلهن بأنفسهن، لافتة إلى أن هذه الأسباب جميعها تدفعه البعض للتنمر على هذه الفئة من النساء حتى تتزعزع ثقتهن بأنفسهن مما يدفع كثير منهن  للتراجع عن أحلامهن وطموحاتهن.

 

يرى خالد خليقات، المحامي المتخصص في قضايا المطبوعات والنشر والجرائم الالكترونية، أن" التنمر مصطلح اجتماعي نفسي وليس قانونيا"، مشيرا إلى ان الملاحقة الجزائية في القانون على مواقع التواصل الاجتماعي تكون إما بفعل ذم أو قدح أو تحقير أو نشر صور دون موافقة صاحبها أو تهديد.. 

يشير خليفات إلى أن العقوبات الواقعة على الأشخاص المسيئين حسب قانون الجرائم الالكترونية تنقسم لقسمين جزائية ومدنية" العقوبة الجزائية وهي للردع العام وعقوبتها من 3 اشهر ل3 سنوات حبس، أما المدنية "والتعويض المدني (تطالب فيه من تتعرض للتنمر) بتعويض مادي على ضرر المادي والمعنوي( النفسي) .

 

مشاركات نسائية ضعيفة

 

وهذا بالفعل ما حدث مع سارة (23 عاما) إذ حالت التحديات دون تحقيقها حلمها في أن تصبح لاعبة كرة قدم        " كنت كثير متحمسة أروح صف سادس عشان العب بطولة بس ما قدرت ألعب بطولة لأنه كانوا يحكولي لساتك صغيرة ".

 

 

"كنت أشوف المدرسة فرصتي الوحيدة لألعب بعيدا عن سطح البيت الصغير، لأنه كنت ممنوع ألعب بالشارع كوني بنت، بس للأسف ما كان في دعم النا بالمدرسة لنعلب ونشارك بطولات لهيك بابا قرر يسجلني بنادي رياضي بعمان ولما شافوني شاطرة وعندي مهارات باللعب قرروا ياخدوني بس بشرط\ إنه آجي أنا كل يوم من الرصيفة لعمان لحالي مواصلات وللأسف ما قدرت أكمل بسبب بعد المسافة وصعوبة المواصلات"، تضيف سارة. 

 

بدورها تبين سوسن قدومي مديرة قسم التعليم ومسؤولة برامج المرأة في الرياضة باللجنة الأولمبية الأردنية أن "التحديات التي تواجه النساء كثيرة لكن هناك تحديات بارزة مثل الموروث الديني والثقافي ووجود الرجال بنسب كبيرة في قطاع الرياضة، تمنع في بعض الأحيان تواجدها في القطاع. 

وتضيف أن بعض الرياضات تحتاج ممارستها إلى لباس معين مما يضطر اللاعبات التي يمارسن تلك الرياضات أن يتركن اللعب، الحالة الاجتماعية للمرأة، بالإضافة للمحددات الموجودة من العائلة والمجتمع بشكل عام والتي تقلل من وجودها في هذا المجال. 

تضيف قدومي أن الأهل حتى يقبلوا مشاركة بناتهم في التدريبات الرياضية في المدارس كان يتم التركيز على وجود مدربات، وتأمين مواصلات عند انتهاء التدريب. 

وعن الخطط الاستراتيجية التي تعمل عليها اللجنة الأولمبية لتعزيز مشاركة المرأة على كافة الصعد في القطاع الرياضي تقول قدومي" لدينا مساواة بين الذكور والإناث من المعدات المطلوبة، الملابس، المياومات، المكافآت وحتى الفرص. 

وتضيف القدومي أن هناك تعديل قادم على النظام الداخلي للاتحادات الرياضية تم فيه وضع كوتا لمشاركة المراة.

رغم قلة مشاركة النساء الأردنيات في القطاع الرياضي إلا أنهن يمتلكن مهارات وخبرات عالية جدا. تقول القدومي " في المرات التي يتم تقديم الإناث يتم قبول طلباتهن في الجامعات خارج الأردن بنسبة أعلى بكثير من طلبات الذكور وهذا يدل على موجود مؤهلات ومهارات النساء العالية لدينا في مجال الرياضة.

يذكر أنه يوجد 47 اتحادا رياضيا في الأردن شامة اللجان منها الاتحاد الأردني للتايكواندو، الكاراتيه، الجيوجيتسو،كرة القدم، التنس، السباحة، السكواش، البولينغ وغيرها، أما اللجان مثل اللجنة الأولمبية الأردنية، اللجنة البارالمبية الأردنية.

 

فيما بتعلق بتدريب النساء يقول مدرب التايكوندو والمدير الفني للمنتخبات الوطنية في الأردن فارس العساف أنه " عنا فرص كبيرة للبنات للفوز وحصد الجوائز"، مشيرا إلى أنه في البداية يجب توفير البيئة اللائقة والآمنة والجو المناسب لهن وهذا يشجع النساء للتدرب واللعب. 

"ما كان عندي عائق أنه ادرب بنات وشباب مع بعض وقدرت أحصد كثير جوائز مع البنات"، يقول العساف. 

 

أما عن المعيقات فيؤكد أن أكبر المعيقات التي تواجه النساء هو تركهن للعب في بداية العشرينات بسبب الزاوج أو الدراسة، مضيفا أنه هذا ما يجعل مشاركة الرجال في الرياضة أكثر من النساء.

 

 

 

 

 

 

حسب إحصائيات زودتنا بها اللجنة الأولمبية الأردنية بلغ عدد النساء الرياضيات في الأردن عام 2018 ، 530 امرأة تضمنت 501 مشاركة في بطولات خارجية، ليفزن ب85 ميدالية في نفس العام، فيما ارتفعت مشاركتهن عام 2019 ليصل عددهن إلى 749 مشاركة،  وشاركن ب511 بطولة خارجية، بالإضافة لفوزهن ب162 ميدالية، لكن انخفضت نسبة مشاركتهن في 2020 ليصل عددهن 121 مشاركة، وشاركن ب85 بطولة خاريجة، وحصلن على 33 ميدالية،

عادت مشاركات النساء الرياضية للارتفاع في 2021 ووصل عدد المشاركات 191 مشاركة،  شاركت  منهن 118 في بطولة خارجية، وحصلن على 44 ميدالية.

الرياضة ليست حكرا على جنس دون الآخر

من جهة أخرى يعزو أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أسباب التنمر على النساء في الرياضة،  إلى  "تفكير الرجال بأن الرياضة حكرا لهم وهي  بحاجة لعضلات ومشقة وتعب وجهد كبير لهذا يعتقدون أن المرأة لا تستطيع القيام بالرياضات أكثر منهم. 

ويلفت إلى أن تشجيع الأهل للذكور أكثر من الإناث وعدم السماح للإناث اللعب حتى الذهاب للأندية مثل الذكور  ، جعل العديد من النساء يهجرن رياضتهن المفضلة. "

لا تنفي أماني حمدان، مدربة ألعاب القوى في لواء ماركا في العاصمة عمان، الأسباب التي ذكرها خزاعي بشأن المعيقات فتقول " إن الأهل عندهم نظرة ان البنت اللي بتلعب الرياضة بضيع مستقبلها، أو أنهن لجأن للرياضة بسبب عدم اهتمامها بالجانب الأكاديمي، بالاضافة لثقافة العيب انه مثلا الأهل بحكوا بدهم بنتهم تطلع بلباس معين، أو ما بدهم بناتهم يختلطوا مع الذكور كونه معظم حكام الرياضات ذكور، بالاَضافة لتفرغ البنات لدراستهم في مرحلة الثانوية وتركهم للعب الرياضة".

تشير حمدان في الوقت ذاته إلى أن هذه الاعتقادات تختلف من منطقة لمنطقة "بحكم تجربتي شفت في مناطق لسا ناس متحفظين على هي الاعتقادات القديمة و برأيهم إنه الرياضة بتخرب أخلاق بنتهم، ومناطق أخرى تغيرت نظرتهم للبنت بحكم إنه في بنات صاروا ينافسوا على مستوى وطني ودولي يكونوا مشاركين في المنتخبات".

تلفت حمدان إلى انه اليوم أصبح من السهل عليها إيجاد فتيات مهتمات بالرياضة في مرحلة الثانوية أكثر من السابق وذلك يعود لعدة أسباب منها " أن البنات صاروا أوعى ويفكروا بمستقبلهم سواء بدهم يحصلوا على منحة تفوق رياضي، أو فكرة الحصول على عمل بمجال الرياضة".

 

ينص الميثاق الأوليمبي على اعتبار "ممارسة الرياضة حقاً من حقوق الإنسان"، وعلى "وجوب أن تتاح لكل فرد إمكانية ممارسة الرياضة، دون تمييز من أي نوع وفي إطار الروح الأوليمبية، ما يقتضي بلوغ تفاهم مقترن بروح الصداقة والتضامن واللعب النظيف، وإذ يسخّر الرياضة لخدمة التنمية المتناغمة للبشرية، بغرض تعزيز مجتمع سلمي يهتم بالحفاظ على الكرامة البشرية.

سطح المنزل أول الأحلام وآخرها 

حفرت جوليانا مسيرتها بالصخر واستمرت، كما خطّت رانيا ملامح الطريق الذي رسمته منذ الصغر، رغم التشوهات، إلا أن سارة وغيرها الآلاف من النساء في محافظات المملكة توقفن عن الحلم وأصبحت الرياضة بالنسبة لهن شي من الماضي لا يستطعن ممارستها خارج أسوار المنزل.  

" للأسف كثير إشي مزعج انه تكون حاب شي من جوا وما تقدر تعمله، ما كنت اتخيل يصير عمري  23 ولسا بلعب عسطح البيت"، تقول سارة. 

 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من "JHR" صحفيون من أجل حقوق الإنسان 

 

أضف تعليقك