النمور حين تموء

الرابط المختصر

من وُلد ليزأر ، لا يمكن ان يموء ابدا ، ومن وُلد ليموء لايمكن ان يزأر. اقول هذا الكلام ردا على كل من يتنازل عن دوره صحفيا كان ام نائبا ام حزبيا ام مناضلا. كثير ممن تعرف يقولون ان سر تحولاتهم السياسية وتقلباتهم هو الظروف المحيطة ، التي جعلته يّغير خطه وثوابته ، فينقلب في ليلة من مدافع عن حقوق الناس ، الى متكسب على ظهورهم تحت شعار ان "الرزق عاوز الخفيّة"،،.

يُروى في القصة الشهيرة لزكريا تامر.. ان النمر حين تم اسره ذات يوم ، توعد وهدد ، وكان غاضبا بشدة في قفصه ، وفي صبيحة اليوم الأول زأر غاضبا يريد تناول اللحم ، فلم يرد عليه الصياد ، وعاد اليه في اليوم الثاني ، وهو يزأر بقوة مطالبا بتناول اللحم حتى وهو مأسور باعتباره "النمر" الذي لا يجوز امتهانه ، فقال له الصياد.. لا يوجد لحم ، وكل ما هنالك هو بضعة حشائش اذا اردت ان تأكل ، فغضب النمر وزأر من هذه المهانة ، فكيف يأكل الحشيش ، ورفض بشدة ، وعاد اليه الصياد في اليوم الثالث ، وكان النمر قد بدأ يتضور جوعا ، فسأله الصياد هل ما زال يرفض ان يأكل الحشيش ، فأجابه انه يقبل مؤقتا بسبب "ظروف المرحلة" صارخا صرخة سمعتها كل الغابة من شدة الغضب.

عاد اليه الصياد في اليومين الرابع والخامس ، بعد ان اعتاد على اكل الحشيش ، ونسي اللحم بسبب "ظروف المرحلة" ، وطلب النمر بلسانه حصة جديدة من الحشيش ، غير ان الصياد قال له ، لن تأكل الحشيش حتى ترقص مثل القرد ، فزأر النمر غضبا ، فكيف يرقص مثل القرد ، وهو النمر المهاب المهيوب ، وهذه مهانة جديدة يرفضها بشدة ، فتركه الصياد وعاد اليه في اليوم السادس ، وسأله عن حالته مع الجوع ، فقال له النمر انه يقبل ان يرقص مثل القرد ، مقابل حصة من الحشيش ، ناسيا اللحم ، وناسيا رفضه ، جراء "ظروف المرحلة" فأولم له الصياد كمية كبيرة من الحشيش وجلس يتفرج عليه وهو يرقص مثل القرد.

في اليوم السابع ، عاد اليه الصياد مجددا ، وكان الجوع قد بلغ منه مبلغا ، فطلب منه النمر حصة جديدة ، من الحشيش ، فقال له الصياد ، ان الشروط اختلفت ، وان على النمر ان يموء مثل القطط ، من اجل ان يحصل على كمية من الحشيش ، حتى يأكل ، فجن جنون النمر وقال للصياد ، لقد قبلت وتنازلت عن اللحم ، وحولتني الى مجرد كائن نباتي ، ثم طلبت ان ارقص مثل القرد ، فرقصت مجبرا ، واليوم تريد ان اموء مثل القطط ، وهذه الاهانة الكبرى ، فأنا النمر وتريديني ان اموء مثل قطة ، وهذه اهانة بالغة لن اقبلها حتى لو مت في مكاني ، فأنا النمر ، ولا شيء مثل النمر.،،.

عاد الصياد في اليوم الثامن ، وشاهد النمر جائعا هزيلا ، لايكاد يقوى على الحركة ، فسأله الى اين وصل به الجوع ، وهل ما زال يرفض ان يموء مثل القطط ، فرد عليه النمر انه يقبل جراء "ظروف المرحلة" ومستعد ان يموء مثل القطط ، غير ان الصياد قال له ، عليك ان تنسى الزئير والغضب ، وان تموء بشكل دائم ، حتى تأكل ، ولا اريدك ان تموء فقط عند الحصول على الوجبة ، بل اريدك ان تموء وتموء ، بشكل دائم ، وتنسى اللحم والزئير ، فأطرق النمر برأسه اسفا ، وقال حسنا انها "ظروف المرحلة" وسوف اموء بشكل دائم ، فقط اعطني حصتي من الحشيس حتى آكل ، وفي يومه التاسع ترك الصياد النمر في قفصه يموء مثل القطط ويأكل الحشيش ، وفكر في لحظة ما باطلاق سراحه بعد ان أمن شر النمر ، غير انه لم يفعل ، فقد يصحو النمر فجأة ويتذكر انه ليس قطة ، وانه لم يولد نباتيا ، غير ان النمر كان قد تغير فعلا ، فحتى لو تم اطلاق سراحه ، فقد احب الحشائش ، واعتاد على المواء.

قصة النمر الذي من الممكن ان يموء كما في القصة ، لا تثبت ابدا ان النمر يمكن ان يتحول الى كائن نباتي ، فقد يكون النمر في قصة زكريا تامر يعاني من مشكلة جينية ، او انه في الاساس قط ولّد على شكل نمر ، والا لما قبل ان يدخل القفص اساسا ، ويتحول من نمر الى كائن نباتي يموء من اجل وجبة ، القصة الشهيرة على عظمتها ، تتناسى ان كل هذا قد يحدث للنمر اذا قبل دخول القفص ، برضاه او صيدا ، اما غريزة النمر الحقيقية ، فتحميه ، ولا تجعله اسيرا للقفص ، وما يريده الصياد.

من وُلد ليزأر لا يمكن ان يموء ابدا حتى لو مات قهرا ، ومن وُلد نمرا لا يمكن ان يتم صيده حيا ، مع الاحترام لزكريا تامر.