"المواطنة".. مفهوم مفخخ

"المواطنة".. مفهوم مفخخ
الرابط المختصر

اجمع باحثون على أن المواطنة تعبر عن مفهوم مفخخ يشوبه الكثير من اللبس، مع الاتفاق على انه يعبر عن إنسان يعيش على أرض ، واكتسب بحكم القانون حق الجنسية؛ فأصبح وجوده مشروعا على أرضها، وينتمي لدستور البلد ويراعي القوانين ويحافظ على مصالحه العليا.

وناقش المجتمعون خلال ندوة بحثت في "المواطنة بين المنظور الحقوقي وإشكاليات الواقع" تطورات المفهوم ودلالاته اللغوية، وعما إذا كان المفهوم الذي أصبح دعامة من دعامات تنظيم المجتمعات في الدول المتقدمة يعتمد على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة.

رئيس مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان طاهر حكمت في افتتاحه جلسات الندوة التي عقدها المركز الثلاثاء، أوضح بأن مفهوم المواطنة يعني التوافق والتراضي وإرادة العيش المشترك، بيد انه يحتاج لكثير من الدراسات لإيجاد صيغة عادلة يتحقق فيها مجتمع العدل.

وأضاف حكمت، لدى الحديث عن "المواطنة" في العالم العربي فإن الذهن ينصرف الى واجب الأفراد نحو الدولة، أكثر من كون الأمر حقوقا ومترتبات على الدولة نفسها، لافتا إلى أن الأصل التاريخي يشير إلى أن "المواطنة" امتياز للناس للتمتع بحماية الدولة مقابل الولاء والطاعة؛ إذ إن هنالك واجبات على الدولة هي محور الصراع الداخلي في المجتمعات المتحركة والنابضة بالحياة.

وشدد على أن الديمقراطية لم تعد مجرد شعار، داعيا الى استخدامها كآداة لإدارة موارد الدولة بشكل عادل بين الناس، وحل الأزمات والتغلب على الاختلاف والتنوع.

أستاذ القانون الدولي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية الدكتور محمد الموسى، شدد في حديثه حول المواطنة والمنظومة القانونية الدولية لحقوق الإنسان، على أن هنالك حقوقا يجب كفالتها لكل من يخضع لولاية الدولة بصرف النظر عن جنسيته، لافتا إلى أن مفهوم "المواطنة" لا يصلح أساسا للتمييز في الحقوق الإنسانية.

واعتبر "الموسى" أن المنظومة القانونية الدولية لحقوق الإنسان يجب أن تسعى إلى حوار بناء مع الدول من أجل بناء المواطنة المحلية بصورتها الكاملة، ثم الانتقال للحديث عن المواطنة الكونية.

ويطرح أستاذ القانون الدستوري في جامعة آل البيت الدكتور عيد الحسبان، المواطنة كمفهوم قديم جديد، في مدى فعالية المواطن كقيمة اجتماعية للحد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية السلبية.

وفي محور نوعية المواطنة تشير الدساتير المعاصرة وفق الحسبان إلى أن المواطنة منها المواطنة المتساوية التي تتضمن اعترافا بالحقوق والحريات وتحديدا للواجبات والتزاما بالتحديد الدستوري، على حين أن المواطنة المنقوصة تحمل نوعا من التمييز في منح الحقوق والحريات من خلال القواعد التنفيذية.

على ان المواطنة الأفقية تعني التكافؤ في العلاقة بين الحاكم والمحكوم يقابلها احترام للحقوق والمساهمة في الواجب الوطني في بناء الدولة، في الوقت الذي تهدف فيه المواطنة العمودية للولاء والانتماء للقيادة فقط دون الاكتراث بحقوق المواطنين.

الحسبان ذكر بان المادة 67 من الدستور الأردني المتعلقة بانتخاب مجلس النواب تشير إلى أن صورة المشاركة الشعبية في بناء المؤسسات على المستوى الوطني تتجلى فقط في انتخاب مجلس النواب، وعلى المستوى المحلي في انتخابات المجالس المحلية، ما يشكل بحسبه خروجا على النص الدستوري وانقاصا في المواطنة.

وبحسبه فإن على الدولة توفير الوسائل الكفيلة لتمكين المواطنين في بناء الدولة والمشاركة السياسية، مشددا على ثلاثة مرتكزات تتعلق بضرورة المشاركة في بناء المؤسسات الدستورية، وتكاملية العلاقة بين مبدأ المساواة دون مواطنة.

الحسبان شدد على ضرورة دسترة المشرع الأردني لبعض الحقوق التي لم ترد في الدستور ووردت في تشريعات أخرى كالحق في الحياة، والعمل، إضافة لدسترة مبدأ قرينة البراءة وحماية الجسم البشري.

من جانبه عرض رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية الدكتور عبد الناصر أبو البصل لمفهوم المواطنة والشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أن القاعدة العامة هي المساواة، وأن المواطنة لا تكون إلا بالموافقة على إقامة مصالح الدولة.

وفي البحث في محور قضايا المواطنة وهمومها يخلص الإعلامي يحيى شقير في الحديث عن المواطنة وسلطة الإعلام الجديد للقول: إن حرية التعبير والإعلام تعد حقا من حقوق الإنسان، لافتا إلى آفاق كبيرة ومستقبلية للإعلام الجديد على مفهوم المواطنة.

وفي المقارنة بين الإعلام القديم والإعلام الجديد، يشير شقير إلى أن الإعلام القديم يوصف بإعلام الندرة، وإعلام الدفع، ويشكل إعلام وصاية تمنح المواطن ما يعتقد أنه يفيد المواطن، على حين أن الإعلام الجديد تعد المشاهدة عنصرا أساسيا في سحب الرسالة التي يود تلقيها، ويمنح المهمشين والأقليات مكانة، ويوصف بإعلام الوفرة والإعلام الإنشطاري.

وفي الحديث عن الشباب ورهانات المواطنة ركز أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي على النظرة السلبية التي لصقت بالشباب فترة زمنية تشير إلى أنهم غير مهتمين بالفكر والسياسة، بيد ان تلك النظرة في الخمسة عشر سنة الأخيرة ونتيجة التغيرات العالمية بات الأمر مختلفا.

وبحسب شتيوي المواطنة لها تجليات تتعلق بالانتماء للوطن، والحقوق والواجبات، والمشاركة بالفضاء العام، ووفق دراسة عرضها شتيوي فإن تحديد الانتماء لدى الشباب جاء بسؤال مفتوح تلخصت نتائجه بأن نحو 15 بالمائة من الشباب ينتمون للعشيرة، و7 بالمائة يحددون انتماءهم للعرب، و8 بالمائة يحددون مواطنتهم بالانتماء للمنطقة الجغرافية، ما يعني أن مدخل الشباب في علاقته مع الوطن مدخل آخر، وهو ما يضعف المواطنة.

ووفق نتائج الدراسة فإن 68 بالمائة يعتبرون تحقيق التقدم في الحياة لا يعتمد على المجهود الشخصي بل على مكانة أسرهم، و71 بالمائة عبروا عن عدم قدرتهم على المساهمة في قضايا المجتمع، و65 بالمائة غير قادرين على التعبير عن الأفكار بحرية، و63 بالمائة منهم غير قادرين على إبداء رأيهم بالقضايا المجتمعية.

شتيوي علق بان النتائج تشير الى شعور بالإحباط والاغتراب؛ فالمواطنة بالمفهوم السياسي التقليدي ضعيفة لدى الشباب؛ إذ إن هنالك مشكلة في مدى ترسيخ المواطنة لدى الشباب الأردني، ما يحتاج معه إلى إعادة النظر في السياسات الموجهة للشباب حول معنى المواطنة.

وذهب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية عدنان الهياجنة في الحديث عن دور مجلس النواب في تعزيز المواطنة إلى انه افتراض خاطئ لان المواطن يعتقد بان مجلس النواب ضعيف كونه نتيجة تزوير، والمواطن ضعيف أيضا لا يستطيع انتقاد الحكومة.

ويخلص "الهياجنة" إلى أن المواطنة مفهوم مفخخ يشكل معضلة في ضوء استخدامه مبررا للحفاظ على الاستقرار من قبل الحكومات.