الخطر على دور المؤسسة النيابية

بعيدا عن الاشخاص فإن مؤسسة مجلس النواب بحاجة الى مراجعة شاملة, والاستطلاع الذي أعلنه مركز الدراسات الاستراتيجية ونشرته الصحف امس يجب ان يقرأه اولا السادة النواب وكل المعنيين بقوة المؤسسات الدستورية وأعمدة الدولة.

الناس في بلادنا لديها تقييم ووجهة نظر ليس فقط في اداء المؤسسة بل حتى في محددات عملها وأولوياتها, وأعتقد ان من فتح وعزز مسار الامتيازات والمصالح الشخصية للسادة النواب عبر أكثر من مجلس ومنها المجلس الحالي قدم خدمة كبيرة لأعداء الديمقراطية وخصوم قوة المؤسسات الدستورية, فالأمر ليس ان يحصل النائب على تقاعد من دون وجه حق, او ان يحصل على اعفاء جمركي ثم يقوم بتحويله الى مبلغ مالي ضخم في جيبه, لكن القصة الحقيقية في رمزية هذه الجهات الاعتبارية, فالنائب سلطة تشريعية ورقابية وحين لا يكون قادرا على تجسيد هذه السلطة الدستورية والدفاع عنها فإنه لا يحمل فشلا لشخصه فقط بل إضعافا لمكانة المؤسسة الدستورية, ولهذا فحين تقوم أي من الحكومات او رئاسة المجلس في أي مرحلة بتجاهل تعزيز القدرات الوظيفية لمصلحة الامتيازات الشخصية فهذا هو الإضعاف الحقيقي لمكانة مؤسسة مجلس النواب والضرب بقسوة في جذر وجودها وتأثيرها في مسار الدولة.

الاستطلاع يضع إضاءة على نظرة العينة التي اختارها من المواطنين وقادة الرأي لكننا في هذا المجتمع لا نحتاج الى كبير عناء حتى نكتشف انهيارا كبيرا لمكانة المؤسسة وصورة النواب كسلطة وموقع سياسي ودور وطني, وهذا ما يدعونا الى القول إن هذه المؤسسة الأهم سياسيا وديمقراطيا تحتاج الى إعادة اعتبار لدورها ومكانتها الشعبية, وإذا تم ترك الامور تسير بهذا الاتجاه الخطير فإن الخسارة ليست على الاشخاص لأنهم ينتقلون من مجلس الى آخر او يعودون إلى مصالحهم وبيوتهم, لكن الخطورة على مؤسسة مجلس النواب, وهي التي تمارس النقد للأداء حرصا عليها وليس اهتماما او تعاملا مع الاشخاص, ففي كل مجلس هنالك مجموعة لها خبرة وتتعامل باحتراف وإخلاص مهني, لكن المشكلة ان المسار العام للمؤسسة سياسيا وشعبيا يسير باتجاه سلبي مما يجعل الأمر ليس تعاملا مع افراد بل حاجة الى عمل كبير لإنقاذ دور المؤسسة وحضورها الوطني والشعبي.

هل نحن بحاجة الى انتخابات مبكرة؟ نعم, لكن ليس لنعود الى بناء حالة نيابية لها ذات الشروط والمواصفات وتخرج من ذات خط الانتاج السياسي وتحكمه ذات المخاوف والحسابات, فالأمر ليس حلا للمجلس الحالي بل بحث عن مسار يعيد انتاج مجلس النواب كمؤسسة ويرفع من سوية مواصفاته السياسية.

وإذا كنا ننتقد المواصفات التي تأتي ببعض الرؤساء والوزراء فإننا ايضا ننتقد المسار الذي ينتج النواب ومنه تعاملنا نحن المواطنين وكيفية التحكم بأصواتنا وإنفاقها في كل موسم انتخابي وكيف نمارس فعلا سلبيا عندما نقدم من لا يستحق الى مواقع تمثيل الأمة, وكيف نتعامل مع المال السياسي وأسس اختيار من يمثل عشائرنا وعائلاتنا وحتى احزابنا.

نحتاج إلى خطوة كبيرة وجريئة ترسم خيط الإنتاج السياسي لمجلس النواب بما فيه الجزء الذي تنحاز فيه الحكومات لأشخاص هم الأضعف في محيطهم, وحتى مستويات التدخل يجب ان تكون غائبة وليست فجة لأن الناس تعتقد ان جزءا من النواب ليسوا من اختيارهم بل محصلة تدخلات وخيارات لا تمثلهم.

لا ندعو الى حل مجلس نواب لاختيار مجلس مماثل بل لإنتاج مسار جديد, اما اذا كنا نريد تكرار مسارات سابقة فلتبق الامور على حالها.

نحتاج الى وقفة وطنية, فالأمر لم يعد يحتمل المزيد من الضعف في بعض المؤسسات, وما زلنا نعتقد ان مرور عشر سنوات على حكم الملك مناسبة تتجاوز الاحتفاليات الى لحظة اردنية كبيرة لمراجعة مسار بعض المؤسسات وإنقاذ ما افسدته ممارسات بما في ذلك تجديد النخب السياسية التي تتعامل بمنظور ذاتي.