إنّها، حقاً، سنة محترمة

الرابط المختصر

بعيداً عن الخطوة الجريئة لوزير الزراعة بوضع استقالته بين يدي رئيس الوزراء، دعوني أضع سؤالا جوهرياً بين يديكم.. أكانت بالفعل سنة 2009 "عاماً للزراعة"..؟! أقصد ما الذي مَيّز هذا العام وهو يلفظ آخر أنفاسه الآن.. عن سابقاته من السنين.. (زراعياً).
نهاية العام 2008، كانت الدعوة الملكية بإطلاق عام للزراعة جلية، مفادها أن القطاع الزراعي، الذي هو عصب حياة البلاد والعباد معاً، ذاق ما ذاق من الإهمال وتردي الأوضاع وفشل السياسات الزراعية والإخفاقات الحكومية المتتالية بإنقاذ حال المزارع الذي هو دون غيره رهينة الحكومة، والجفاف والصقيع والسيول ومعادلات العرض والطلب..
ومثلما نفعل في هكذا مناسبات، تلقفنا الدعوة الملكية التي جاءت من العارضة، بحس احتفالي "مرهف"، فرُحنا نكتب عن أهمية المناسبة.. بدأت الحكومة بالتحضير لما ستقوله عن الحدث، وعن أهمية الدعوة، وعن ضرورة تنفيذها ووجوب الاستفادة منها.. أُعلنت الخطط والبرامج تماشياً مع ما قالته الحكومة وحلمت به..
وعلى الطريقة السينمائية.. "بعد مرور عام.."، بقيت الأحلام في أدراجها، والخطط في ملفاتها وعلى "دسك توب" الحواسيب، وذهبت القصة أدراج الريح.
اليوم ما زالت مشاكل الأراضي الجافة والتصحر كما هي.. بقيت معادلة الأسعار الخانقة للمزارع وقضايا السماسرة والسوق المركزي واستيراد المانجا من إسرائيل وتصدير الزيتون والبندورة إليها، ومشاكل التسويق وزراعة الحبوب والأعلاف والأوضاع المعيشية للمزارع..
حلم الملك، بإطلاق عام للزراعة، لم يكن صعب المنال، إن كان تعاملنا مع الملف، محكوماً بخطط علمية وأساليب مؤسسية ودراسات قابلة للتنفيذ تأخذ في اعتبارها الخيارات والبدائل والمؤثرات الخارجية..
نحن محكومون دوماً، بفكرة التفاؤل و"على الله.."، مصدومون حتماً لأن سقف التوقعات التي نسمعها من الحكومة، ونصدقها، ليست لها أية علاقة بالحقائق على الأرض، هذه هي أزمتنا الحقيقية في كل ملفاتنا وبعيداً عن الزراعة..
يحدونا الأمل وتحركنا مشاعر التفاؤل القدري، بأن القادم حتماً "أفضل" محكومين بتوقعاتنا.. ثم نعود لنسقط على "جذور رقابنا"، وهذه هي فعلاً مسؤولية رئيس الوزراء الثقيلة، أن يحكم توقعاتنا بمنطق خصوصيتنا وإمكاناتنا وظروفنا، لا بإرضائنا وإشاعة الأمل فينا من دون أساس.
هذه المرة، تلقفنا عناوين المرحلة الجديدة بذات الأسلوب، الشفافية.. تحولت كافة الندوات والحوارات والصالونات إلى يافطة الشفافية، أهميتها وضرورتها ووجوب إشاعتها.. هو كالعادة "أسلوبنا الاحتفالي البهي".. حتى اللحظة لم اسمع أحداً يرشدنا للخلطة السرية التي تضمن الإعلان عن الشفافية بـ"شفافية".
إننا في الأردن نصدق بشدة رغبة التصديق، أن ذلك الغيم الذي يلَبِدُ سماءنا لمساءات طويلة لن يطلع عليه نهار إلا والمطر قد روى مدننا وحوارينا وشوارعنا بخيره، إن لم تكن استجابةً لقوانين الطبيعة فعلى الأقل استجابة لدعاء "اسقنا الغيث.."، لكنها أيضا نهارات عنيدة تلك التي تمحق قوانين الطبيعة وتسخر من دعواتنا وتقول لنا بلغة جافة: انتم لا تستحقون هذا الخير! ابحثوا في أنفسكم.. وفتِشوا في دواخلكم.. تعلَموا أن الدعاء إلى الخير.. إلى التقدم.. إلى التعليم.. إلى الأخلاق المهنية.. إلى شرف الصحافة.. إلى كرامة الإنسان.. إلى الأمن .. إلى الزراعة..إلى النجاح.. ليس دعاءً شفهياً، ولا تمتمة حروف على شفاف الراغبين حقاً في التغير إنها كلمة السر "العمل".. ومن يقول غير ذلك "فلا منه ولا من دعائه"!
مر عام الزراعة إذن والشهر هو ذاته.. الشجر والبشر (مكانك سر).
نصيحتي قبل بلوغنا العام الجديد، لا تطلقوا أفواهكم بشعارات وعناوين رنَانة سقفها في السماء وجذرها طائر في الهواء.. اعملوا بصمت "وستيرة" أكثر.. وحين تصبح إحدى محاولاتكم  في رفع سوية ومكانة وشأن ما.. اعلنوا عن هذا النجاح في نهاية العام وقولوا لنا.. إن عام 2010 "كان" عام الإعلام الشفاف أو محاسبة المسؤولين أو التنمية السياسية أو النهوض بالتعليم العالي أو صناعة السينما الأردنية.. أو عاما لإحياء شاشة التلفزيون الأردني ..أو مثلاً عام القضاء على المحسوبيات، أو عام السياحة للجميع أو لإنقاذ مهرجان الأردن، أو مثلاً .. مثلاً أقول مثلاً عام كرامة الإنسان. اعلنوا عن ذلك في آخر يوم في السنة. ونحن سنصدق.."إنها حقا سَنَة محترمة"!