الأغوار الوسطى بين "وعود الحكومة" ومطرقة "التنفيذ" (ندوة)
نظم راديو البلد جلسة حوارية في منطقة الأغوار الوسطى ضمن برنامج "ميداني"، لمناقشة ما تحقق من وعود حكومية بعد مرور عام على زيارة رئيس الوزراء، وكشفت عن تباين بين لغة الأرقام الرسمية وتحديات البنية التحتية التي يواجهها سكان المنطقة.
قطاع المياه: إنجازات هندسية وأزمات ميدانية
افتتح المدير التنفيذي لبلدية دير علا، حمزة شهاب، الحديث بتأكيده أن مشروع مياه الشرب شهد قفزة نوعية، موضحاً أنه تم إنجاز قرابة 90% من المشروع داخل حدود البلدية بتكلفة تقديرية بلغت 28 مليون دينار لعام 2025 وحده، مبيناً أن المياه بدأت تصل للمنازل دون عناء.
من جانبه، أكد المدير التنفيذي لبلدية معدي، أحمد مصالحة، أن العمل في بلدية معدي توزع على ثلاث شركات بنسبة إنجاز وصلت إلى 95%، مشيراً إلى أن مشاريع الصرف الصحي قد تبدأ فعلياً في عام 2027، ووعد بأن جودة الضخ ستسمح بوصول المياه للطوابق الرابعة على مدار الساعة فور اكتمال المشروع خلال الأشهر الستة المقبلة.
تناولت الندوة التحول الاقتصادي المرتقب، حيث استعرض المشاركون خطة الحكومة لتحويل الأغوار إلى مركز للقيمة المضافه عبر "منطقة التصنيع الزراعي". وأوضح المصالحة أن هذا المشروع يهدف إلى إنهاء حقبة الهدر في المحاصيل عبر إنشاء وحدات للتعبئة والتغليف والتبريد، وهو ما سيوفر فرص عمل منتظمة للشباب بدلاً من الزراعة الموسمية المتقلبة، مشدداً على أن بلدية معدي تنتظر البدء الفعلي في هذه المناطق الصناعية لتخفيف نسب البطالة المرتفعة.
صوت المجتمع المحلي: "الخلل في المتابعة"
في المقابل، قدم الناشط ناجح الديات قراءة مغايرة للواقع الميداني، فبينما أقر بنسب الإنجاز، انتقد بشدة أداء الشركات المنفذة (المقاولين)، مؤكداً أن عمليات الحفر تركت شوارع المنطقة متهالكة وشكلت عائقاً كبيراً أمام حركة المواطنين.
واتفق معه عضو اللامركزية السابق، أحمد أبو السكر، الذي ثمن المنحة الحكومية لكنه انتقد ضعف المتابعة المستمرة، مشيراً إلى وجود تقصير واضح من الشركات في دير علا تحديداً فيما يتعلق بتكسير الطرقات وعدم تمديد الخطوط بالشكل الصحيح، مطالباً بضرورة الرقابة الصارمة على المقاولين.
بينما تحدث أحمد المصالحة عن آلية متابعة ميدانية مبتكرة، حيث تم إنشاء "مجموعة واتساب" (WhatsApp Group) برئاسة الحاكم الإداري، تضم مندوبين عن البلديات والشركات المنفذة، لمتابعة شكاوى المواطنين لحظة بلحظة، مشيراً إلى أنه تم تسجيل أكثر من 60 مخالفة بحق الشركات وتحويل بعضها للحاكم الإداري لضمان سرعة التنفيذ.
الملف الصحي: توسعة مستشفى الأميرة إيمان
حول الواقع الصحي، أوضح أحمد مصالحة أن توجيهات رئيس الوزراء أثمرت عن إنجاز مبنى العيادات الخارجية ووحدة غسيل الكلى في مستشفى الأميرة إيمان خلال ستة أشهر فقط وبتكلفة مليوني دينار.
بينما لفت أحمد أبو السكر إلى أن المستشفى الذي يخدم أكثر من 120 ألف نسمة لا يزال بحاجة ماسة لزيادة التخصصات الطبية، خاصة في قطاع الأسنان، وتزويده بأجهزة حديثة ليتناسب مع الكثافة السكانية المتزايدة. فيما نقل الناشط ناجح الديات عن مدير المستشفى وجود خطة لتوسعة المبنى القديم خلال الأشهر الأربعة المقبلة من عام 2026.
فيما يتعلق بسوء وضع الطرق كشف المدير التنفيذي لبلدية ديرعلا حمزة شهاب عن الجانب الإجرائي الذي تقوم به البلدية لحماية حقوق المواطنين، موضحاً أن البلدية اتخذت تعهدات قانونية وإجرائية ملزمة للمقاولين لإعادة الحال كما كان عليه، مؤكداً أن المعاناة الحالية من الحفريات هي "معاناة مؤقتة" لا بد منها لتنفيذ مشروع بهذا الحجم.
أزمة التنظيم وصراع الصلاحيات
فجر الحضور قضية "تداخل الصلاحيات" كعائق أساسي أمام التنمية؛ حيث أجاب حمزة شهاب على شكاوى المواطنين بشأن تهالك الشوارع بأن البلديات تعاني من تداخل مع سلطة وادي الأردن ووزارة الأشغال، مؤكداً أن البلدية لا تملك صلاحية الإنفاق على شوارع زراعية أو خارج التنظيم، لكنها تسعى لتوسيع المخططات التنظيمية للحد من التعدي على الأراضي الزراعية.
وأيد أحمد مصالحة هذا الطرح، محذراً من أن تكلفة البنية التحتية للمناطق الجديدة باهظة جداً (تصل لـ 11 مليون دينار)، مقترحاً الاستعانة بآليات القوات المسلحة لفتح الطرق وتخفيف العبء المالي عن البلديات والسلطة.
وطرح أحد الحضور مطلباً ملحاً يتعلق بـ مركز صحي ضرار، موضحاً أنه يخدم أكثر من 25 ألف مواطن، ورغم جودة الأطباء فيه، إلا أنه يفتقر لصفة "المركز الشامل"، مطالباً بتحويله رسمياً لمركز شامل لتخفيف الضغط عن مستشفى الأميرة إيمان، وهو ما أكد حمزة شهاب أنه تم إدراجه بالفعل ضمن "دليل احتياجات البلدية" ورفعه للجهات المعنية.
بينما عرضت المواطنة حنان الغراغير (كفيفة) معاناتها اليومية مع شارع "آيل للسقوط" في منطقة دباب، وسط تقاذف المسؤولية بين البلدية والسلطة. كما سجل المواطن أبو إياد عتباً شديداً على وزارة الثقافة، معتبراً أن فعالية "دير علا مدينة الثقافة 2024" لم تلبِّ طموحات الأهالي ولم تشمل مناطق بلدية معدي بشكل عادل.
كما انتقد المواطن محمد نعيم (منطقة طوال الجنوبي) غياب المشاريع التنموية الحقيقية التي تستهدف فئة الشباب، مؤكداً أن الحفاظ على الرقعة الزراعية لا يجب أن يكون على حساب التطور العمراني والسكني. وطالب بضرورة إيجاد حلول "خارج الصندوق" لدمج الشباب في الاقتصاد المحلي، محذراً من أن استمرار ضيق التنظيم السكاني يدفع الشباب للهجرة من الأغوار نحو العاصمة بحثاً عن العمل.
وصف نعيم الحالة في الأغوار بأنها "تصحر" للأراضي الزراعية ولكن بطريقة عكسية، حيث يضطر المواطنون للبناء العشوائي في الأراضي الزراعية لعدم وجود بدائل تنظيمية، محذراً من أن بقاء حدود التنظيم كما هي منذ سنوات طويلة يقتل المستقبل الزراعي والسكاني للواء في آن واحد.
وأثار الحضور قضية حرمان مئات الأسر من إيصال التيار الكهربائي بشكل رسمي نتيجة وقوع منازلهم خارج حدود التنظيم. وأوضح أحمد أبو السكر أن هناك عائلات تسكن في منازل "ثلاث أسر على عداد واحد"، مما يسبب ضغطاً هائلاً وانقطاعات مستمرة، خاصة في صيف الأغوار الحارق. وطالب بضرورة تفعيل وعود الحكومات السابقة بتوزيع الوحدات السكنية في المناطق الجبلية (الشفا غورية) وتزويدها بالبنية التحتية اللازمة لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية.
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان أكد خلال زيارة إلى الأغوار الوسطى ضمن جولاته الميدانية الدورية لمختلف مناطق المملكة في وائل كانون الثاني 2025 عزم الحكومة إنشاء منطقة صناعية زراعية بهدف إحداث نقلة نوعية في طبيعة الاقتصاد المحلي، عبر تحويل الأغوار من منطقة إنتاج زراعي أولي إلى مركز للقيمة المضافة، يشمل التعبئة والتغليف والتسويق محلياً وإقليمياً، بما يحد من الهدر ويعزز دخل المزارعين.
وعلى الصعيد الصحي، تفقد رئيس الوزراء أعمال التوسعة في مستشفى الأميرة إيمان في منطقة معدي بلواء دير علا، مؤكداً ضرورة إنجاز المشروع وتشغيل مبنى العيادات الخارجية بحلول شهر حزيران المقبل.
وبعد زيارة الرئيس بأشهر تم تزويد المستشفى بأجهزة ومعدات طبية حديثة، من بينها جهاز تصوير بالموجات فوق الصوتية، إلى جانب صيانة أنظمة التكييف وتركيب وحدات جديدة في غرف الانتظار والمختبر.
كما جرى تعزيز الكوادر الطبية بأطباء وممرضين وصيادلة وفنيين في تخصصات مختلفة، بهدف تحسين جودة الخدمات الصحية وتقليل الضغط وفترات الانتظار على المراجعين.
ورغم هذه المبادرات، ما تزال الأغوار الوسطى تواجه تحديات ميدانية حقيقية، أبرزها الاعتماد على الزراعة الموسمية، وعدم استقرار الدخل نتيجة تقلبات السوق والمناخ، إضافة إلى نقص مرافق التخزين والتصنيع، وضغوط متزايدة على الموارد المائية والحاجة إلى تحديث أنظمة الري.
كما تعاني المنطقة من بطالة بين الشباب، وقلة فرص العمل المنتظمة، إلى جانب تحديات تعليمية تتعلق بصعوبة الوصول إلى المدارس، ونقص الكوادر التعليمية، وضعف البنية التحتية لبعض المدارس.
وبين التعهدات الحكومية والواقع الميداني، تبقى الحاجة قائمة إلى متابعة تنفيذية دقيقة وإرادة أقوى، لتحويل هذه المشاريع من وعود وخطط إلى نتائج ملموسة.





















































