- الأردن، يستضيف اليوم الاثنين، اجتماعا تشاوريّا لوزراء خارجية الدول العربية، و اجتماعا لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري
- هيئة تنظيم النقل البري تستحدث خط نقل جديدا يربط محافظة جرش بمنطقتي صويلح والمدينة الطبية، بتعرفة تبلغ دينارا و10 قروش للرحلة
- الدفاع المدني يتعامل مع حريق شب داخل مبنى مكون من 4 طوابق في منطقة القويسمة بمحافظة العاصمة، نتج عنه إصابة شخصين بضيق في التنفس
- استشهاد طفل وفتى، و إصابة شابان آخران، فجر الإثنين، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومستوطنين، في بلدة بيت أمر شمال الخليل
- وكالة تسنيم، نقلاً عن مصدر مطلع، تؤكد ليل الأحد-الاثنين، أن الوفد الإيراني رفض العودة إلى المحادثات الرباعية بعد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب
- إصابة 54 شخصا وفُقد 18 آخرون في الانفجار الذي وقع مساء الأحد في منطقة رأس لفان الصناعية في قطر
- يكون الطقس صيفيا معتدل الحرارة في أغلب المناطق، وحارا في البادية والأغوار والبحر الميت والعقبة
من المستحيل إلى الممكن: تجربة عاملات الزراعة في الأردن في التنظيم الجماعي والدفاع عن الحقوق العمالية
فرح هلسا
على مدار عقود، استقرّت في الأذهان صورة نمطية لعمال الزراعة في الأردن: فئة مهمشة، تعمل في الظل، غائبة عن الوعي بحقوقها العمالية، ومحاصرة بطبيعة عمل موسمية تُستخدم كذريعة لتركهم خارج حسابات الحماية. لسنوات، وُضعت حقوق هؤلاء العمال على "رف" النسيان، متذيلةً قائمة أولويات أصحاب القرار بحجج واهية. ورغم أن قانون العمل الصادر عام 1960، وحتى تعديلاته عام 1996، استثنى عمال الزراعة من مظلته، إلا أن عام 2021 حمل بصيص أمل بصدور "نظام عمال الزراعة". كانت هذه الخطوة بمثابة انتصار تاريخي لنضال مؤسسات المجتمع المدني. ولكن، ونحن اليوم في عام 2026، نصطدم بالحقيقة المرة: لا يزال هذا النظام مجرد نصوص أنيقة مطبوعة في الجريدة الرسمية، بعيدة كل البعد عن التطبيق الفعلي في الميدان، ليبقى العامل يواجه الشمس الحارقة بظهيرٍ مكشوف قانونياً.
لم أكتب هذا المقال لوصف مشاكل وتحديات عمال الزراعة، فالأبحاث والتقارير شاملة وكافية ووافية في وصف هذه التحديات. لقد كتبتُ هذا المقال لسببين؛ الأول هو أن أسلط الضوء على مجموعة قررت أن تأخذ مصيرها في تحصيل حقوقها بين يديها، وأن تتصرف بشكل جماعي لتحمي وتحصل على حقوقها بالعمل وتسترجع القوّة للعمال. أما السبب الثاني، فهو أننا اليوم نقف في لحظة تاريخية يشهد عليها العالم من قمع وبطش واستعمار، وفي نفس الوقت نشهد فشل مؤسسات حقوق الإنسان في حماية كرامة الإنسان وصون العدالة والمساواة.
وفي ظل هذا الواقع، بات الإحباط والحزن شعورين سائدين يشككان كثيرين في جدوى المحاولة نفسها وفي قدرتنا على مواجهة الظلم والدفاع عن حقوقنا. ولذلك، عندما يكون هناك نجاح حقيقي تقوده مجموعة من عاملات الزراعة، وبقوّتهن الخاصة استطعن أن يحققن التغيير ضمن مجتمعهن ومزارعهن، فلا بد من أن نوثق هذه اللحظة التاريخية لتكون مرجعيتنا للاستمرار والمقاومة.
وأخيراً، لأن هذا النجاح يواجه كل السرديات المعتادة والحجج التي سمحت في الماضي بتجاهل حقوق العمال واستصعاب إيجاد حلول لحمايتها، فقد بدأت حملة "جمعتنا قوتنا" في عام 2024 كمجموعة من 10 عاملات أردن المطالبة بأدوات الصحة والسلامة في 8 مزارع. وأنهت الحملة عامها الثاني بنهاية 2025 محققةً إنجازاً ملموساً؛ حيث وفرت 37 مزرعة المرافق الصحية، ووفرت 36 مزرعة أدوات الصحة والسلامة. لم تحقق العاملات العشر هذا النجاح وحدهن، بل توسعت قيادتهن لتصبح 22 عاملة، واستطعن أن يعلّمن أكثر من 1200 عامل وعاملة عن حقوقهن الصحية في العمل وحرّكن 225 عاملاً وعاملة في الأغوار الشمالية للتفاوض الجماعي لتوفير المرافق الصحية وأدوات الصحة والسلامة.
أما عن الكيفية التي استطاعت بها الحملة تحقيق ذلك، فقد ارتكزت على ركيزتين أساسيتين؛ أولاً: بناء استراتيجية قائمة على قوّة أصحاب القضية أنفسهم. عندما خططت الحملة لاستراتيجيتها، وبعدما حددت هدفها المتمثل في "توفير المرافق الصحية وأدوات الصحة والسلامة"، طوّرت أساليبها بما يعزز قوة العمال. لقد طرحت الحملة على نفسها سؤالين جوهريين: ما الذي سيشجع العمال والعاملات على التقدم بالمطالبة؟ وفي الوقت نفسه، ما الذي سيشجع صاحب العمل على تحقيق هذه المطالب؟
بناءً على ذلك، صاغت الحملة أنشطتها وفق معادلة واضحة؛ فإذا تعلّم العمال حقوقهم الصحية في العمل، ستزداد رغبتهم في تحصيلها. وإذا كانت المطالبة جماعية داخل المزارع، سيتشجع الجميع على التقدم ولن يشعروا بالخوف. أما في التفاوض مع صاحب العمل، فقد استندت الحملة إلى منطق الإقناع بأن توفير هذه الحقوق يزيد الإنتاج ويحمي صاحب العمل من المساءلة القانونية في حال حدوث إصابات عمل، وهو ما أدى في النهاية إلى اقتناعهم وتوفير المطالب.
وكذلك استندت الحملة إلى مواردها ونقاط قوتها الذاتية لتصميم أنشطتها. فعندما أرادت العاملات تعليم بعضهن الحقوق الصحية، كان بإمكانهن استدعاء خبير أو مختص، لكنهن اخترن أن يقمن بالتعليم بأنفسهن. استخدمن قصصهن وتجاربهن الشخصية لتقريب المواد القانونية لواقعهن، وأطلقن على هذا التكتيك اسم "إيد بإيد منعلم بعض". هذا النشاط لم يساهم في تعليم الحقوق فحسب، بل بنى علاقة متينة بين العاملات قائمة على التحديات المشتركة واستمداد القوة للتحرك سوياً. وحتى عند الذهاب للتفاوض الجماعي، حضّرت العاملات أنفسهن عبر لقاءات منزلية، شاركن فيها تجاربهن السابقة في التفاوض، ورصدن ما نجح وما فشل، ومن هنا طوّرن آلية تفاوض تناسب واقع الميدان وطبيعة أصحاب العمل.
لربما يعتقد البعض أن هذا الإنجاز لم ينهِ جميع المشاكل التي يواجهها عمال الزراعة، وهذا صحيح. لكن أهمية ما حققته العاملات لا تكمن فقط في المرافق الصحية وأدوات السلامة التي أصبحت متوفرة في عشرات المزارع، بل في القوة التي بنينها معًا خلال هذه العملية.
ففي سياق طالما وُصف فيه عمال الزراعة بالأردن بأنهم مهمشون وغير قادرين على التنظيم أو التأثير، استطاعت العاملات أن يبنين شبكة من العلاقات والثقة والتضامن، وأن يقدمن دليلًا عمليًا على قدرة العمال والعاملات على التحرك الجماعي وتحقيق التغيير.
وربما يكون هذا هو الإنجاز الأهم: ليس فقط ما تغيّر داخل المزارع، بل ما تغيّر في نظرة العاملات والعمال إلى أنفسهم وإلى قدرتهم على مواجهة الظلم وصنع التغيير.
فإذا كان ما بدا مستحيلًا بالأمس قد أصبح حقيقة اليوم، فماذا يمكن أن يصبح ممكنًا غدًا؟












































