نقرة واحدة قد تكلف الكثير... هل نعرف كيف نحمي أنفسنا رقمياً؟

لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للاتصال وإرسال الرسائل، بل تحول إلى مساحة تحتفظ بتفاصيل الحياة اليومية، من الحسابات البنكية والبيانات الشخصية إلى الصور والمحادثات والملفات. ومع هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، أصبحت حماية هذه البيانات جزءاً أساسياً من الاستخدام اليومي للهواتف والأجهزة الرقمية.

لكن الخطر قد يبدأ أحياناً من خطوة تبدو بسيطة جداً، رسالة تصل إلى الهاتف، رابط يطلب تحديث بيانات، أو مكالمة من شخص يدعي أنه يمثل بنكاً أو مؤسسة رسمية.

ويحذر خبراء في مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال من أن المحتالين يعتمدون بشكل متزايد على ما يعرف بـ"الهندسة الاجتماعية"، أي استغلال ثقة الشخص ومخاوفه أو استعجاله لدفعه إلى اتخاذ قرار يخدم المحتال.

ويشرح الخبير مهند غيضان أن إحدى الطرق الشائعة تتمثل في إرسال رسالة تزعم وجود مشكلة في حساب المستخدم أو وجود معاملة مالية باسمه، ثم مطالبته بالضغط على رابط أو إدخال معلومات شخصية. وفي حالات أخرى، قد يتلقى الشخص اتصالاً هاتفياً من طرف ينتحل صفة موظف في بنك أو مؤسسة معروفة بهدف الحصول على بيانات حساسة.

وتكمن خطورة هذه الأساليب في أنها لا تعتمد دائماً على اختراق تقني مباشر للجهاز، وإنما تستهدف المستخدم نفسه، وتدفعه إلى تقديم المعلومات بيده.

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الخداع

مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مجال الاحتيال الإلكتروني، أصبح اكتشاف بعض عمليات الخداع أكثر صعوبة. فالمحتال يستطيع إنتاج نصوص أكثر إقناعاً، وصوراً مزيفة، وحتى تسجيلات صوتية تحاكي أصوات أشخاص حقيقيين.

وتشير تقديرات المركز الوطني للأمن السيبراني في الأردن إلى أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت عالمياً بنسبة 89 بالمئة، فيما شكّلت بيانات الدخول أو الهويات الرقمية المخترقة عاملاً في 75 بالمئة من الاختراقات التي جرى رصدها. كما تم خلال الربع الأول من عام 2026 رصد 27 موقعاً ينتحل صفة مؤسسات وطنية.

وتتوافق هذه المؤشرات مع تحذيرات دولية من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح أداة تساعد المحتالين على إنتاج رسائل تصيد أكثر إقناعاً، وتطوير عمليات انتحال شخصية باستخدام الصوت والصورة، وتوسيع نطاق استهداف الضحايا.

رسالة واحدة قد تكون البداية

رغم تطور وسائل الاحتيال، تبقى بعض الإجراءات البسيطة قادرة على تقليل فرص الوقوع ضحية لها.

وينصح الخبراء بعدم التفاعل مع الرسائل المشبوهة، وعدم الضغط على الروابط أو تحميل الملفات المرفقة إذا كان مصدرها غير معروف، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق أو البيانات البنكية عبر الرسائل أو المكالمات.

كما ينصح بالتحقق من الجهة التي أرسلت الرسالة من خلال قنواتها الرسمية، بدلاً من استخدام الرابط الموجود داخل الرسالة نفسها.

وهذا التحذير يتكرر في الأردن بصورة مستمرة. فقد حذرت وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية من رسائل مزيفة تنتحل مواقع رسمية وتطلب من المواطنين دفع مخالفات السير بشكل عاجل، مؤكدة ضرورة استخدام المواقع الرسمية المعروفة وعدم التعامل مع الروابط الواردة في تلك الرسائل.

وفي تموز الماضي، أطلق المركز الوطني للأمن السيبراني بالتعاون مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي حملة توعوية للتحذير من صفحات تنتحل هوية المؤسسة، ودعا المواطنين إلى الحصول على المعلومات والخدمات من المنصات الرسمية فقط، وعدم مشاركة بياناتهم مع الحسابات أو الصفحات المشبوهة.

الاحتيال لا يتوقف عند سرقة البيانات

تجارب الضحايا تكشف أن الضرر قد يكون مالياً ونفسياً في الوقت نفسه. فقد تبدأ القصة بإعلان يبدو حقيقياً أو عرض مغرٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يتطور الأمر إلى تحويل مبلغ مالي أو مشاركة معلومات شخصية، قبل أن يختفي الطرف الآخر.

وفي إحدى القضايا التي أعلنت عنها مديرية الأمن العام في تموز 2026، تلقت وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية عشرات الشكاوى من مواطنين وقعوا ضحية صفحات وهمية تروج لبيع هواتف بالتقسيط بأسعار مغرية. وكان المحتالون يطلبون دفعة مالية مقدماً عبر محفظة إلكترونية، ثم يقطعون الاتصال بعد استلام الأموال. وتمكنت التحقيقات من تحديد المشتبه به الرئيسي وإلقاء القبض عليه.

هذه الحالات توضح أن الاحتيال الرقمي لم يعد مرتبطاً برسائل البريد الإلكتروني التقليدية فقط، بل ينتقل بين الإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمكالمات الهاتفية، والحسابات المزيفة، وحتى المواقع التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تابعة لجهات رسمية.

الحماية تبدأ من السلوك اليومي

الأمن السيبراني لا يتعلق فقط بالبرامج وأنظمة الحماية. الجزء الأكبر من المعركة يبدأ من سلوك المستخدم نفسه.

ويؤكد المركز الوطني للأمن السيبراني أهمية استخدام كلمات مرور قوية ومتنوعة، وتفعيل المصادقة الثنائية، والحذر من الروابط والرسائل غير الموثوقة، إضافة إلى التأكد من أن التطبيقات يتم تحميلها من المتاجر الرسمية. كما يوصي بالاحتفاظ بنسخ احتياطية من البيانات المهمة بعيداً عن الجهاز المتصل بالإنترنت.

وفي الأردن، أظهرت بيانات المركز الوطني للأمن السيبراني أن أبرز التهديدات خلال الربع الأول من عام 2026 شملت برمجيات الفدية، وهجمات حجب الخدمة، والتصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية، واستغلال الثغرات الأمنية والحسابات المخترقة. ورغم انخفاض عدد الحوادث السيبرانية بنسبة 16 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، فإن طبيعة التهديدات نفسها أصبحت أكثر تعقيداً مع تطور التكنولوجيا.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل جهازنا محمي؟ بل أيضاً: هل نعرف كيف نتصرف عندما تصلنا رسالة غير متوقعة؟

قد يكون تجاهل رابط مشبوه أكثر أهمية من أي برنامج حماية، وقد يكون الاتصال بالبنك عبر رقمه الرسمي أكثر أماناً من الرد على مكالمة تدعي أنها من البنك.

في النهاية، لا يحتاج المحتال دائماً إلى اختراق الهاتف. أحياناً يكفي أن يقنع صاحبه بأن يفتح له الباب.

ومع تسارع التكنولوجيا ودخول الذكاء الاصطناعي إلى أدوات الاحتيال، يتحول الوعي الرقمي إلى خط الدفاع الأول، لأن حماية الحسابات والبيانات تبدأ قبل النقرة، وقبل الرد على المكالمة، وقبل مشاركة أي معلومة.