هل يتخرج الطلبة بمهارات المستقبل؟

 لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً بعيداً عن الحياة الجامعية في عمّان، فقد دخل إلى تفاصيل الدراسة والبحث عن المعلومات، وبدأ يفرض نفسه أيضاً على النقاشات المتعلقة بمستقبل الطلبة وفرصهم في سوق العمل.

وفي أروقة الجامعات، يتجاوز النقاش اليوم حدود الامتحانات والتخصصات وفرص التوظيف، ليصل إلى سؤال أكثر إلحاحاً لدى الطلبة والخريجين: هل ما تزال الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان فرصة في سوق عمل يتغير بفعل الذكاء الاصطناعي؟

وتتجه جامعات في العاصمة إلى توسيع حضور الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية، سواء من خلال التخصصات الأكاديمية أو البرامج التدريبية والمختبرات التقنية. ويشمل ذلك جامعة الحسين التقنية وجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، إلى جانب الجامعة الأردنية التي تقدم برامج أكاديمية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

ويأتي هذا التوسع في وقت تتزايد فيه المخاوف بين الطلبة والخريجين من تأثير التكنولوجيا في الوظائف التقليدية، خصوصاً الوظائف التي تعتمد على مهام روتينية يمكن تنفيذها بشكل أسرع بواسطة الأنظمة الذكية.

وقال الخبير التربوي الدكتور محمد أبو عمارة، في حديث لـ"راديو البلد"، إن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً إضافياً بالنسبة للتعليم أو الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من صياغة مستقبل سوق العمل.

وأضاف أن التوجه الرسمي نحو إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم يعكس إدراكاً متزايداً لأهميته، مشيراً إلى أن استخدام هذه التقنيات يمكن أن يسهم في تحسين جودة التعليم وتطوير مخرجاته بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

مخاوف من المستقبل وفرص جديدة

وتكشف آراء الطلبة عن تفاوت واضح في طريقة التعامل مع التحول التكنولوجي.فبعض الطلبة لا يرون في الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لتخصصاتهم، ويعتقدون أن التكنولوجيا ستؤثر على بعض المهام أكثر من تأثيرها على الوظائف نفسها. ويرى هؤلاء أن اكتساب مهارات إضافية إلى جانب التخصص الجامعي سيكون عاملاً أساسياً للحفاظ على القدرة التنافسية في سوق العمل.

في المقابل، اختار طلبة آخرون التخصص في الذكاء الاصطناعي باعتباره من المجالات التي يتوقعون أن يكون لها حضور أكبر خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع الاعتماد على الحوسبة والمنصات الرقمية والأدوات الذكية.

ويرى بعض الطلبة أن استخدام الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تغيير طريقة الدراسة، خصوصاً من ناحية سرعة الوصول إلى المعلومات وتقليل الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام الأكاديمية.

ولا يخفي هؤلاء أن بعض الوظائف الروتينية قد تتراجع مع توسع الأتمتة، لكنهم يتوقعون في المقابل ظهور وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، ما يجعل القدرة على التعلم والتكيف مع المتغيرات مهارة أساسية بالنسبة للخريجين.

القلق المهني له آثار نفسية

ولا يقتصر تأثير التحول التكنولوجي على سوق العمل أو المناهج الجامعية، إذ بدأت المخاوف من المستقبل المهني تنعكس أيضاً على الحالة النفسية للطلبة.

وقالت الخبيرة النفسية والتربوية الدكتورة أمينة حطاب إن حالة القلق التي يعيشها كثير من الشباب ترتبط بسرعة التغيير والخوف من فقدان الاستقرار المهني.

وأوضحت أن بعض الطلبة قد يشعرون بأن السنوات التي قضوها في الدراسة يمكن أن تصبح أقل قيمة أمام التطور السريع للتكنولوجيا، وهو ما قد يؤدي إلى الإحباط والشعور بعدم جدوى التعلم.

وترى حطاب أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدر من التوازن، بحيث ينظر إليه الشباب باعتباره أداة مساعدة يمكن الاستفادة منها، وليس منافساً يجب الخوف منه.

وأكدت أن تعليم الطلبة كيفية استخدام التكنولوجيا وتطوير مهاراتهم إلى جانب تخصصاتهم يمكن أن يساعد في تخفيف القلق وتحويل الذكاء الاصطناعي من مصدر للخوف إلى وسيلة للتطوير.

من الشهادة إلى المهارات

ومع تسارع التحولات في سوق العمل، تبدو الجامعات الأردنية أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكنولوجيا.

فامتلاك شهادة جامعية يظل مهماً، لكنه لم يعد العامل الوحيد الذي يحدد قدرة الخريج على المنافسة. وتزداد أهمية المهارات الرقمية، والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الجامعات إلى إدخال تخصصات وبرامج جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يجد الطلبة أنفسهم أمام مسؤولية إضافية تتمثل في تطوير مهاراتهم باستمرار وعدم الاكتفاء بما يحصلون عليه داخل قاعات الدراسة.

وبين المخاوف والفرص، يبدو أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تغيير شكل التجربة الجامعية في عمّان. ولم يعد السؤال بالنسبة للطلبة يقتصر على اختيار التخصص الذي يضمن وظيفة، بل أصبح مرتبطاً بقدرتهم على اكتساب مهارات تسمح لهم بالتكيف مع سوق عمل يتغير بسرعة.