أبو نجمة: البطالة ليست أزمة وظائف فقط (شاهد)

مدير بيت العمال يدعو إلى حظر التمييز في التوظيف، وتوسيع الاستثمار في المحافظات، وإصلاح منظومة التعليم والتدريب، وإخضاع العاملين عبر التطبيقات لقانون العمل

أكد مدير بيت العمال، المحامي حمادة أبو نجمة، أن أزمة البطالة في الأردن لم تعد مرتبطة فقط بندرة فرص العمل، وإنما أصبحت انعكاساً لاختلالات أوسع تشمل توزيع الاستثمارات، ومواءمة التعليم مع احتياجات السوق، وضعف البنية التحتية في المحافظات، إضافة إلى قصور التشريعات في مواكبة التحولات الجديدة في سوق العمل.

وقال أبو نجمة، خلال استضافته في برنامج "صوت شبابي" عبر راديو البلد، إن المحافظات التي تسجل أعلى معدلات البطالة، مثل عجلون، تعاني أساساً من غياب المشاريع الاقتصادية القادرة على خلق فرص عمل، مشيراً إلى أن المشكلة لا تخص محافظة بعينها، بل تمتد إلى عدد كبير من المحافظات التي تفتقر إلى الاستثمارات مقارنة بعمان وإربد والزرقاء.

وأوضح أن تمركز معظم الاستثمارات في المحافظات الثلاث الكبرى يعود إلى جاهزية البنية التحتية فيها، سواء من حيث شبكات النقل أو الخدمات أو البيئة الاستثمارية، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى تجنب المحافظات الأخرى، رغم حاجتها الملحة للمشاريع الإنتاجية.

وأضاف أن الأردن يحتاج إلى برنامج وطني يعيد توزيع الاستثمارات جغرافياً، عبر توفير حوافز حقيقية للمستثمرين وتشجيعهم على إقامة مشاريعهم داخل المحافظات، بما يحقق تنمية أكثر توازناً ويولد فرص عمل مستقرة للسكان المحليين.

وأشار إلى أن محدودية الخيارات الوظيفية في المحافظات تدفع الشباب إلى الهجرة الداخلية نحو عمان أو إربد، بينما تصبح هذه الخطوة أكثر صعوبة بالنسبة للنساء، ما يفسر ارتفاع معدلات البطالة بين الإناث مقارنة بالذكور في العديد من المناطق.

وأكد أن الدستور الأردني لا يفرض على الدولة توفير وظيفة لكل مواطن بشكل مباشر، لكنه يلزمها بتشجيع الاستثمار وتنظيمه بما يؤدي إلى خلق فرص عمل، معتبراً أن هذا الواجب لا يزال يحتاج إلى جهود أكبر، خاصة في المحافظات التي تعاني ضعفاً في البيئة الاستثمارية.

اختلال بين التعليم وسوق العمل

وتحدث أبو نجمة عن فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، موضحاً أن جزءاً كبيراً من الطلبة لا يزال يتجه إلى تخصصات مشبعة أو راكدة، في حين يحتاج القطاع الخاص بصورة متزايدة إلى تخصصات تقنية ومهنية وتكنولوجية.

وقال إن غالبية الطالبات يتركزن في ثلاثة مجالات رئيسية هي التعليم، والصحة، والتخصصات الإدارية، وهي مجالات أصبحت فرص العمل فيها محدودة، بينما تعاني قطاعات أخرى من نقص الكفاءات.

وأضاف أن الاقتصاد الأردني يحتاج إلى فنيين وتقنيين ومتخصصين في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والمهن الحرفية أكثر من حاجته إلى بعض التخصصات الإنسانية، مشيراً إلى أن نسبة الملتحقين بالتدريب المهني في الأردن لا تتجاوز نحو 12 بالمئة، في حين تصل في الدول الصناعية إلى ما بين 70 و75 بالمئة.

وأكد أن هذه الفجوة تدفع أصحاب العمل إلى الاعتماد على العمالة الوافدة لسد احتياجاتهم في المهن الفنية والحرفية، رغم وجود أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل.

مراجعة سياسات الجامعات

ورأى أبو نجمة أن بعض الإجراءات التي اتخذت للحد من التخصصات الراكدة تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تزال محدودة، مشيراً إلى استمرار الجامعات في تخريج أعداد كبيرة في تخصصات تشهد فائضاً واضحاً، مثل بعض التخصصات الطبية والهندسية.

وأضاف أن التعليم في الأردن مرتبط بشكل مباشر بالحصول على فرصة عمل، وليس مجرد خيار معرفي أو ثقافي، لذلك ينبغي أن تأخذ الجامعات بعين الاعتبار احتياجات سوق العمل عند فتح البرامج الأكاديمية أو الاستمرار فيها.

كما دعا إلى تعزيز الإرشاد المهني منذ المراحل الدراسية الأولى، بحيث يحصل الطلبة وأسرهم على معلومات دقيقة تساعدهم في اختيار التخصصات المطلوبة، بدلاً من الاعتماد على المفاهيم التقليدية أو الرغبات الشخصية فقط.

وأشار إلى أن منظومة الإرشاد والتوجيه المهني لا تزال غائبة إلى حد كبير، رغم أن مسؤوليتها تتوزع بين عدة جهات حكومية، من بينها وزارتا التربية والعمل، إضافة إلى المؤسسات المعنية بالتدريب المهني.

ربط الجامعات بالقطاع الخاص

وأكد أبو نجمة أن عدداً محدوداً من الجامعات الأردنية نجح في إقامة شراكات مباشرة مع القطاع الخاص، بحيث يحصل الطلبة على تدريب عملي أثناء الدراسة، ما يؤدي إلى توظيف نسبة كبيرة منهم فور التخرج، وأحياناً قبل إنهاء دراستهم.

وقال إن تعميم هذه التجارب سيقلل الفترة التي يقضيها الخريجون في البحث عن عمل، وسيساعد الشركات أيضاً على الحصول على كوادر مؤهلة وجاهزة للاندماج في سوق العمل.

التمييز في التوظيف بحاجة إلى تشريع

وفي تعليقه على ما يثار حول تعرض بعض أبناء محافظة الزرقاء للتمييز في فرص العمل بسبب مكان السكن، قال أبو نجمة إن قانون العمل الأردني يحظر التمييز في الأجور بين الذكور والإناث، لكنه لا يحظر بصورة صريحة التمييز في التعيين أو فرص العمل، وهو ما وصفه بالنقص التشريعي.

وأوضح أن المعايير الدولية تحظر جميع أشكال التمييز في العمل، بدءاً من الإعلان عن الوظيفة وحتى التعيين والترقية والتدريب وإنهاء الخدمة، داعياً إلى تعديل التشريعات الأردنية بما ينسجم مع هذه المعايير.

وأضاف أن رفض المتقدم للعمل بسبب عنوان سكنه فقط يمثل شكلاً من أشكال التمييز الذي ينبغي منعه، أما إذا ارتبط القرار باعتبارات عملية مثل صعوبة المواصلات أو بعد المسافة، فإن ذلك يختلف عن التمييز.

النقل أحد أسباب البطالة

وشدد أبو نجمة على أن النقل العام يشكل عاملاً أساسياً في فرص التشغيل، مشيراً إلى أن دراسات أردنية أظهرت أن مشكلات المواصلات تؤثر على فرص العمل بنسبة تتجاوز 45 بالمئة، سواء بحرمان الباحثين عن العمل من الوصول إلى الوظائف أو بتسببها في فقدانهم وظائفهم لاحقاً.

وأشار إلى أن تطوير مشاريع النقل بين المحافظات، على غرار الباص سريع التردد بين عمان والزرقاء، يمكن أن يسهم في توسيع فرص العمل أمام الشباب في مختلف أنحاء المملكة.

العمل عبر التطبيقات وفرصة تحتاج إلى حماية

وتطرق أبو نجمة إلى واقع العاملين عبر تطبيقات النقل الذكي، معتبراً أن هذه المنصات وفرت فرصة عمل لآلاف الشباب الذين لم يتمكنوا من إيجاد وظائف في تخصصاتهم، وهو ما يؤكد، بحسب قوله، أن الشباب الأردني مستعد للعمل في مختلف المهن متى توفرت البيئة المناسبة.

لكنه أشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الحماية القانونية، موضحاً أن التشريعات الأردنية الحالية لا تعترف بالعاملين عبر المنصات الرقمية كعمال، وبالتالي لا يتمتعون بالحماية التي يوفرها قانون العمل أو الضمان الاجتماعي.

وكشف أن مؤتمر العمل الدولي، الذي عقد في جنيف خلال شهر حزيران الماضي بمشاركة الأردن، أقر اتفاقية جديدة تعتبر العاملين عبر المنصات الرقمية عمالاً يجب أن تشملهم قوانين العمل والضمان الاجتماعي.

وأكد أن الأردن مطالب بمواكبة هذه التطورات الدولية، وإجراء تعديلات تشريعية تضمن حقوق هذه الفئة، خاصة مع التوسع المستمر في الاقتصاد الرقمي والعمل عبر التطبيقات.

وختم أبو نجمة بالتأكيد على أن مستقبل سوق العمل سيتجه بصورة متزايدة نحو العمل عبر المنصات والتكنولوجيا والعمل عن بعد، ما يتطلب تحديث التشريعات الأردنية بصورة عاجلة، حتى لا تبقى فئات واسعة من العاملين خارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية.