فخ الوظائف الوهمية: كيف تستدرج مسكو عشرات الآلاف من المهاجرين الأجانب إلى جبهات القتال؟

تقرير لـ (FIDH): أكثر من 27 ألف مقاتل أجنبي في صفوف الجيش الروسي وضغوط مكثفة في 2026

تزامناً مع الخسائر البشرية الفادحة التي تكبدتها القوات المسلحة الروسية في الحرب على أوكرانيا وتجنباً لكلفة سياسية باهظة للجوء إلى تعبئة جزئية جديدة قد تثير سخطاً شعبياً، كشفت تقارير حقوقية دولية موسعة صادرة عن الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) بالتعاون مع منظمتي Truth Hounds وKIBHR عن بناء نظام تجنيد عابر للحدود يجمع بين استقطاب المتطوعين والاستغلال "الافتراسي" لرعايا أجانب من الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً واجتماعياً. وبحسب بيانات المقر الاستراتيجي التنسيقي الأوكراني لمعاملة أسرى الحرب والمعلومات الاستخباراتية المؤكدة حتى مارس 2026، انضم ما لا يقل عن 27,401 مقاتل أجنبي من أكثر من 135 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 14,000 مقاتل من كوريا الشمالية يجري إدارتهم عبر ترتيبات حكومية متبادلة، للقتال إلى جانب القوات الروسية.

تُظهر البيانات الرسمية والتقديرات الاستخباراتية تسارعاً ملحوظاً في أعداد المجندين الأجانب المقبولين رسمياً لدى الجيش الروسي خلال السنوات الأخيرة؛ حيث ارتفع الرقم من 3,808 مجندين في عام 2023 إلى 8,265 مجنداً في عام 2024، ليصل إلى 13,997 مجنداً في عام 2025. وتتوقع التقديرات إكمال مخطط استقطاب نحو 18,500 مجند أجنبي إضافي قبل نهاية عام 2026. أما على صعيد التوزيع الجغرافي والنزيف البشري، فتصدرت دول آسيا الوسطى (أوزبكستان، طاجيكستان، كازاخستان، قرغيزستان) قائمة التجنيد بأكثر من 10,000 مجند، سقط منهم مئات القتلى. كما سُجل انضمام ما يقرب من 1,800 مجند من جنوب آسيا (خاصة نيبال وسريلانكا والهند)، وما بين 1,700 و4,000 مجند من إفريقيا، إلى جانب مئات آخرين من أمريكا اللاتينية والمنطقة العربية (مثل اليمن، العراق، الجزائر، وسوريا). وتشير البيانات الأوكرانية إلى أن واحداً من كل خمسة مجندين أجانب يلقى حتفه، حيث يقع النصف تقريباً خلال الأشهر الأربعة الأولى للانتشار، وذلك جراء إقحامهم في "هجمات اللحم" الاندفاعية لاكتشاف مواقع الدفاع الأوكرانية.

تتنوع الآليات المستعملة في عمليات التجنيد بين الخديعة والإكراه المؤسسي داخل الأراضي الروسية وخارجها. ففي الداخل الروسي، تستغل السلطات الغارات الأمنية الموجهة ضد العمال المهاجرين لتخيرهم بين الترحيل القسري أو توقيع عقود قتالية، فضلاً عن صدور قوانين في أغسطس 2024 تجيز سحب الجنسية المكتسبة ممن يتخلفون عن التسجيل العسكري. بالإضافة إلى ذلك، يُجبر الكثيرون في مراكز الهجرة مثل مركز "ساخاروفو" بمسكو على توقيع عقود باللغة الروسية لا يفهمونها أثناء إجراء المعاملات الروتينية. أما عبر الشبكات الخارجية، فيتم استدراج الضحايا بإعلانات على المنصات الرقمية تعد بفرص عمل مدنية مثل البناء أو الأمن، وبأجور مغرية تصل إلى 3,500 يورو شهرياً ومكافآت توقيع كبيرة، ليجدوا أنفسهم مدفوعين إلى جبهات القتال بعد تدريب خاطف لا يتجاوز أسبوعين وبدون مترجمين أو توعية بالقانون الدولي.

على المستوى القانوني، خلص التقرير إلى أن ممارسات روسيا تشكل خرقاً صريحاً لالتزاماتها بموجب "بروتوكول باليرمو" الملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عابرة الحدود؛ إذ يمثل استخدام التضليل والإكراه وإساءة استغلال حالة الخوف والهشاشة لغرض السخرة والاستغلال القتالي صوراً متكاملة لجريمة الاتجار بالبشر. ومن جانب آخر، يسلط التقرير الضوء على قصور التعريف الحالي للمرتزقة في القانون الدولي الإنساني، والذي تستغله روسيا بمنح المجندين أوراقاً رسمية ضمن القوات المسلحة للاتحاد الروسي. ولهذا يشدد التقرير على أهمية تحرك دول المصدر لملاحقة شبكات الوساطة والتجنيد المحلية، وتوسيع نطاق الحماية القانونية لرعاياها لضمان عدم الوقوع في شباك هذه الشبكات واستعادة أسرادهم وجثامينهم بالتنسيق مع الجهات الدولية.