وتبقى..."إسرائيل".. الخطر الاستراتيجي الأعمق على الأردن
في خضم كل ما يعصف بالمنطقة من حروب وتحولات وتهديدات متجددة، يبقى الأردن وحده أمام ثقل استثنائي لا تواجهه بالقدر ذاته دولة أخرى في المنطقة، ثقل اسمه إسرائيل، ليس كجار جغرافي عادي، بل كمشروع استعماري توسعي لم يتوقف منذ عقود عن النمو على حساب الأرض والإنسان الفلسطيني، وعلى حساب الأمن الاستراتيجي الأردني في المقام الأول.
الأردن لا يجاور إسرائيل كما تجاور فرنسا إسبانيا أو تركيا اليونان، فالحدود المشتركة بين البلدين ليست حدوداً جغرافية محايدة، بل هي خط تماس مع مشروع لم يُخفِ يوماً طموحاته في التمدد.
وما يزيد المعادلة تعقيداً أن الأردن يأوي على أرضه نحو ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني مسجل لدى الأونروا فضلاً عن آخرين يحملون الجنسية الأردنية لكن جذورهم ضاربة في أرض فلسطين التي طردوا منها قسراً.
هذا التشابك العضوي بين الأردن والقضية الفلسطينية يجعل أي تحول في المشهد الفلسطيني انعكاساً مباشراً على البنية الديموغرافية والسياسية والاقتصادية للأردن.
منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، لم تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات ولو للحظة واحدة، حتى في أشد مراحل التفاوض سخونة، والأرقام لا تكذب؛ ما كان عشرات المستوطنات بات اليوم شبكة من المدن والطرق الالتفافية التي تمزق الجسد الفلسطيني وتجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً يقترب من المستحيل يوماً بعد يوم.
وهذا التوسع لا يعني فقط سرقة الأرض، بل يعني أيضاً تدمير فكرة حل الدولتين التي طالما راهن عليها الأردن بوصفها الضمانة الوحيدة لاستقراره الديموغرافي والسياسي.
لا يخفي كثير من المسؤولين الإسرائيليين -وعلى رأسهم نتنياهو- اليوم ما كان يُقال في السابق همساً في الغرف المغلقة، وهو مشروع التهجير الكبير، التهجير من غزة أولاً، ثم ربما من الضفة لاحقاً، باتجاه مصر والأردن.
وهذا ليس تكهناً أو سيناريو مبالغاً فيه، بل هو مشروع تُصرح به أصوات في الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بكل وضوح، وترفضه المملكة الأردنية الهاشمية رفضاً قاطعاً على أعلى المستويات، إذ أن القبول به هو انتحار وطني أردني صريح، ويعني تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن وتحويله إلى وطن بديل.
ما كان يُعدّ حلماً دينياً لأقلية متطرفة بات اليوم سياسة تقترب من التطبيق، فالحديث عن "أرض إسرائيل الكاملة" من النهر إلى البحر لم يعد حكراً على جماعات المستوطنين، بل بات يتردد في أروقة الكنيست وعلى لسان وزراء في الحكومة. والتحولات الجارية في غزة والضفة الغربية، من ضم رسمي وغير رسمي وتهجير وتفريغ ديموغرافي، تقول بوضوح إن هذا المشروع يسير قدماً، ولا نملك ترف التغاضي عنه.
قد يقول قائل إن الأردن مشغول اليوم بتهديدات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية والمليشيات وهذا صحيح، (حسب ما أعلنه الجيش الأردني إيران استهدفت الأردن بنحو 300 صاروخ ومسيرة منذ بدء الحرب)، لكن الخطر الإيراني تهديد ظرفي مرتبط بسياق إقليمي متقلب ومشروع يتضاءل بعد ضربات محور المقاومة، في حين أن الخطر الإسرائيلي بنيوي وجذري ومتجذر في مشروع لا يتوقف.
والأردن الذي يحمل الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس يدرك أن أي تغيير في وضع المدينة المقدسة هو طعنة في الشرعية التاريخية للمملكة، وأي تهجير جماعي للفلسطينيين نحو الشرق هو تهديد مباشر لتماسك الدولة الأردنية.
لا تعني هذه القراءة الدعوة إلى المغامرة أو الانجرار إلى حروب لا طاقة لنا بها، بل تعني أن على الأردن أن يرفع صوته أعلى وأن يبني تحالفاته الإقليمية والدولية على أساس هذه الثوابت، الرافضة لسياسات إسرائيل الاستعمارية التوسعية ومشاريع تهجيرها التي تمثل الخطر الأكبر والأعمق على الأردن، ليس فقط على فلسطين.
وأن أي تسوية مقبلة لا تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية -كما يطالب الملك عبد الله الثاني دائما -ستبقى تسوية هشة لا تصمد، وستظل الجمرة تحت الرماد تنتظر أن تشتعل من جديد.
الأردن دولة صامدة وعبرت أزمات عميقة لكن الصمود وحده لا يكفي في مواجهة مشروع يعمل بصبر واستراتيجية ممتدة عبر عقود. والتحدي الأكبر ليس في سماء عمّان بل في سياسات الاحتلال في الضفة الغربية وغزة والقدس.













































