"لاهوت السياسة" الأميركي.. "الإنجيليون الأصوليون" والشرق الأوسط

لم يعد النقاش عن القومية المسيحية في الولايات المتحدة مجرّد جدل ثقافي بين المحافظين والليبراليين بشأن مكانة الدين في المجال العام، بل أصبح سؤالاً سياسياً يتصل بطبيعة الدولة الأميركية نفسها، وبالعلاقة بين الدين والسلطة في واحدة من أهم الديمقراطيات الحديثة. وما يلفت الانتباه في التطورات، أخيراً، أن هذا النقاش لم يعد محصوراً في المجال الاجتماعي أو الثقافي، بل بدأ يلامس مؤسّسات الدولة الأكثر حساسية، وفي مقدّمتها المؤسّسة العسكرية. ففي الأسابيع الماضية، كشفت تقارير عن شكاوى تقدّم بها عسكريون أميركيون بشأن خطاب ديني داخل بعض الوحدات العسكرية يربط الحرب الحالية مع إيران بنبوءات "نهاية الزمان"، سيّما معركة أرمجدون. وقد جاءت هذه الشكاوى عبر مؤسّسة الحرية الدينية في القوات المسلّحة الأميركية (Military Religious Freedom Foundation)، وهي منظمة أسّسها الضابط السابق في سلاح الجو الأميركي، مايكل وينشتاين، عام 2005 للدفاع عن مبدأ الفصل بين الدين والدولة داخل الجيش الأميركي.
وفق ما نقلته تلك المؤسّسة، أفاد جنود وضبّاط بأن بعض القادة العسكريين قدّموا الحرب الحالية بوصفها جزءاً من "خطة إلهية" مرتبطةً بعودة المسيح، بل نقل أحدهم عن قائده قوله إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "مختار من الله لإشعال الشرارة التي ستقود إلى أرمجدون". قد تبدو مثل هذه التصريحات، في ظاهرها، مجرّد تعبيراتٍ دينيةٍ متحمّسةٍ داخل مؤسّسة تضم أفراداً من خلفيات عقائدية متنوعة، غير أن دلالتها الحقيقية تكمن في السياق الفكري والسياسي الأوسع الذي تنتمي إليه.

ظهر الخطاب الديني في السياسة الخارجية الأميركية في عهد رونالد ريغان بوضوح أكبر، خصوصاً في إطار الصراع الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي

ما سبق يعكس ظاهرةً أعمق تتمثّل في التداخل المتزايد بين اللاهوت الإنجيلي المحافظ والخطاب السياسي في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة أخذت تتعزّز خلال العقد الماضي مع صعود ما يُعرف بالقومية المسيحية (Christian Nationalism). وهذه القومية ليست مجرّد تعبير عن التديّن الاجتماعي، بل رؤية أيديولوجية ترى أن الولايات المتحدة أمّة مسيحية في جوهرها، وأن القيم الدينية ينبغي أن تكون مرجعيةً أساسيةً في السياسة والقانون.
اكتسب هذا الاتجاه زخماً متزايداً مع تنامي نفوذ الحركة الإنجيلية داخل الحزب الجمهوري، قبل أن يبلغ ذروته مع ظاهرة "ماغا" (Make America Great Again) التي أعادت تشكيل اليمين الأميركي حول ترامب. فقد شكّل التحالف بين ترامب والإنجيليين أحد الأعمدة الأساسية لصعوده السياسي، فوفّرت القاعدة الإنجيلية دعماً انتخابياً واسعاً للرئيس الجمهوري مقابل حضور واضح لأجندتها الدينية والثقافية في الخطاب السياسي.
يتطلّب فهم هذه الظاهرة العودة إلى الخلفية اللاهوتية للحركة الإنجيلية نفسها، وبخاصّة إلى ما يُعرف في الأدبيات الدينية باسم "التيار التدبيري الألفي" (Dispensational Premillennialism)، فهذا الاتجاه اللاهوتي، الذي تطوّر في القرن التاسع عشر، يقوم على فكرة أن التاريخ يسير وفق مراحل إلهية محدّدة أو "تدابير"، وأن المرحلة الأخيرة ستشهد سلسلة أحداث مرتبطة بنبوءات الكتاب المقدَّس، منها عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل، تمهيداً لمعركة أرمجدون التي تسبق عودة المسيح. في التأسيس، ارتبط هذا التيار باسم اللاهوتي الأنغلو - إيرلندي، جون نيلسون داربي، الذي قدّم في القرن التاسع عشر تفسيراً جديداً للنبوءات التوراتية، غير أن انتشاره الواسع في الولايات المتحدة جاء لاحقاً عبر ما عُرف بـ"الكتاب المقدس المرجعي سكوفيلد"، الذي حرّره القس الأميركي كيروس سكوت سكوفيلد (Cyrus I. Scofield) في مطلع القرن العشرين، وأصبح أحد أكثر النصوص تأثيراً في الأوساط الإنجيلية الأميركية.
لاحقاً، تطوّرت هذه الرؤية عبر منظّرين ووعّاظ إنجيليين مثل هال ليندسي الذي حقّق كتابه "The Late Great Planet Earth" انتشاراً واسعاً في سبعينيّات القرن الماضي، وصولاً إلى شخصيات معاصرة مثل القس جون هاغي (John Hagee) مؤسّس منظمة "مسيحيون متّحدون من أجل إسرائيل"، التي تُعدّ واحدةً من أهم شبكات الضغط الدينية المؤيّدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. وتكمن أهمية هذا التيار في أنه يضع إسرائيل في قلب السردية اللاهوتية للتاريخ، ذلك أن قيام الدولة العبرية وازدهارها، وفق هذا التصوّر، ليس مجرّد حدث سياسي أو تاريخي، بل خطوة أساسية في تحقّق النبوءات التوراتية. ومن هنا نشأت ظاهرة الصهيونية المسيحية (Christian Zionism) التي تمزج بين الإيمان الديني والدعم السياسي القوي لإسرائيل.
لم يبقَ هذا البعد اللاهوتي في حدود الوعظ الديني أو الثقافة الشعبية، بل تسلّل تدريجياً إلى المجال السياسي الأميركي؛ ففي عهد رونالد ريغان ظهر الخطاب الديني في السياسة الخارجية الأميركية بوضوح أكبر، خصوصاً في إطار الصراع الأيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي، الذي قُدِّم أحياناً بوصفه مواجهة بين الخير والشر، ثم تعزّز هذا الاتجاه في عهد جورج دبليو بوش بعد هجمات "11 سبتمبر" (2001)، حين دخلت اللغة الدينية إلى خطاب "الحرب على الإرهاب"، حتى وإن لم تكن هي العامل الحاسم في القرار السياسي. أمّا النفوذ الحقيقي للحركة الإنجيلية داخل السياسة الأميركية فقد بلغ ذروته مع صعود دونالد ترامب إلى السلطة عام 2016، إذ شكّل التحالف بين ترامب والإنجيليين أحد الأعمدة الأساسية لظاهرة "ماغا"، حين حصل الإنجيليون على حضور واضح داخل المشهد السياسي مقابل دعمهم الانتخابي الواسع للرئيس الجمهوري. ويتجلّى هذا التأثير بوضوح في السياسات الأميركية تجاه إسرائيل خلال تلك المرحلة؛ فقرارات مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان لم تكن مجرّد تحوّلات في الحسابات الاستراتيجية، بل جاءت أيضاً استجابةً لضغط قوي من القاعدة الإنجيلية التي ترى في دعم إسرائيل التزاماً دينياً قبل أن يكون خياراً سياسياً.

يجد اليمين الديني الإسرائيلي في الدعم الإنجيلي الأميركي سنداً سياسياً واستراتيجياً

في المقابل، شهدت إسرائيل نفسها تحوّلات موازية مع صعود التيار الصهيوني الديني داخل السياسة والمجتمع. فقد أصبح هذا التيار أحد الأعمدة الرئيسية للائتلافات اليمينية التي يقودها بنيامين نتنياهو، كما ازداد حضوره داخل المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية، إذ تشير دراسات عديدة إلى ارتفاع نسبة الضبّاط المنتمين إلى المدارس الدينية القومية. هذا التوازي بين القومية المسيحية في الولايات المتحدة والصهيونية الدينية في إسرائيل خلق نوعاً من التفاعل الأيديولوجي بين اليمينَين الدينيَّين في البلدَين. فاليمين الإنجيلي الأميركي يرى في إسرائيل تجسيداً لنبوءات الكتاب المقدَّس، بينما يجد اليمين الديني الإسرائيلي في الدعم الإنجيلي الأميركي سنداً سياسياً واستراتيجياً داخل واشنطن.
من هنا يمكن فهم لماذا أصبح الشرق الأوسط يحتلّ مكانةً خاصّةً في المخيال الديني والسياسي لقطاع من اليمين الأميركي. فهذه المنطقة لا تُرى فقط باعتبارها ساحة صراع جيوسياسي، بل أيضاً باعتبارها مسرحاً لتحقيق نبوءات دينية تتعلّق بنهاية التاريخ.

* العربي الجديد