كيف تقرأ النخب الأردنية سيناريوهات البقاء وسط إقليم مشتعل؟
في جلسة رمضانية بعيدة عن الكاميرات استضافها العين عمر العياصرة، حاولت نخبة من المسؤولين والسياسيين الأردنيين تفكيك المشهد المعقد الذي يحيط بالأردن، داخليًا وخارجيًا. وبين اقتصاد يواجه ضغوطًا مستمرة، وإقليم يزداد اضطرابًا.
طرحت هذه النُخب سؤالا جوهريا يتجاوز تشخيص الأزمات التقليدية: كيف يمكن للمملكة أن تحافظ على مرونتها وقدرتها على التعافي وسط كماشة من التحديات الجيوسياسية الخانقة والضغوط الاقتصادية الهيكلية التي تضرب مفاصل المجتمع؟
ترى تلك النخب -ومن بينها رؤساء حكومات سابقين- أن الأردن لم يعد يواجه تحديات منفصلة يمكن علاجها بالقطعة، بل هو أمام "عاصفة كاملة" تتداخل فيها التهديدات الأمنية الحدودية مع الأزمات المعيشية الداخلية. فالمشروع التوسعي الإسرائيلي، الذي باتت النخب الأردنية تسميه صراحة "التهديد الوجودي"، لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل واقع تفرضه الأرقام والوقائع على الأرض.
ومع تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية حاجز الـ 700 ألف بحلول عام 2025، تدرك الدولة الأردنية أن محاولات تصفية القضية الفلسطينية وخلق حقائق ديموغرافية وجغرافية جديدة تمس مباشرة سيادة المملكة وأمنها القومي، وتحول أطول حدود مشتركة إلى خط مواجهة دائم مع مطامع اليمين المتطرف التي تمتد لتشمل السيطرة على موارد المياه والطاقة.
هذا التمدد الإسرائيلي، وما يرافقه من سعي للسيطرة على حقول الغاز في شرق المتوسط وحوض نهر الأردن، لا يهدف فقط إلى التوسع الجغرافي، بل إلى خلق حالة من التبعية الاقتصادية القسرية للدول المجاورة.
وتحذر النخب السياسية من أن استمرار هذا النهج سيؤدي حتماً إلى موجات تهجير قسري وتغيير في الهوية الديموغرافية للمنطقة، مما يضع الأردن في مواجهة مباشرة مع تداعيات إنسانية وأمنية تفوق قدرة البنى التحتية المنهكة أصلاً بفعل أزمات اللجوء المتلاحقة. وفي ظل احتمالات التصعيد العسكري في سوريا ولبنان، تزداد المخاوف من تحول المنطقة إلى ساحة لحروب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى انفجارات أمنية وتدفقات جديدة من التطرف العنيف.
في ذات الشان الإقليمي تحذر النخب في جلسة "العياصرة" من أن استراتيجية "تصدير الأزمات" التي تنتهجها طهران عبر أذرعها في المنطقة باتت تستهدف الأردن بشكل مباشر، سواء من خلال محاولات اختراق الأجواء الأردنية في صراعاتها الإقليمية، أو عبر "حرب المخدرات والأسلحة" الممنهجة التي تشنها ميليشيات مرتبطة بها على الحدود السورية.
بالنسبة لصانع القرار الأردني، فإن القلق لا يكمن فقط في الطموح النووي، بل في سعي إيران لتحويل الأردن إلى "ساحة تصفية حسابات" مما يضع الدولة في حالة استنفار دائم لحماية سيادتها من أن تصبح "صندوق بريد" للرسائل النارية المتبادلة. وفي ظل هذا المشهد، تتبنى النخب رؤية "الردع المرن"، التي ترفض الانخراط في أحلاف هجومية ضد إيران، لكنها في الوقت ذاته، تضع خطاً أحمر عريضاً أمام أي مساس بأمن الحدود أو محاولة العبث بالنسيج الداخلي تحت غطاء الشعارات الأيديولوجية.
أما داخلياً، تبدو "جبهة المعيشة" لا تقل خطورة عن التهديدات الحدودية، حيث تشكل أرقام البطالة التي بلغت 25% بصفة عامة، وقفزت إلى نحو 60% بين الشباب، قنبلة موقوتة تهدد السلم المجتمعي.
وتؤكد النخب الأردنية أن الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية والديون العامة جعل الاقتصاد عرضة للهزات العالمية، مما أدى إلى تعميق الفجوات الطبقية وزيادة الضغوط على الفئات الهشة. هذا التدهور في مستويات المعيشة يخلق بيئة خصبة للاحتقان الاجتماعي، مما يستوجب تحولاً جذرياً في العقد الاقتصادي نحو الإنتاجية والاعتماد على الذات بدلاً من سياسات "إطفاء الحرائق" المؤقتة.
ولمواجهة هذا الواقع المعقد، تطرح الصالونات السياسية في عمّان خارطة طريق لتعزيز "المنعة الوطنية" تبدأ من تقوية الجبهة الداخلية، بالتوازي مع دبلوماسية إقليمية نشطة تعمل على انتزاع اعتراف دولي بخطورة المشاريع التوسعية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الحلول المقترحة تتجاوز الشعارات نحو ضرورة خلق فرص عمل مستدامة عبر مشاريع كبرى في قطاعات التعدين، والطاقة، والزراعة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال بيئة أعمال مبسطة وشراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن بناء اقتصاد مقاوم قادر على الصمود في وجه العواصف الجيوسياسية القادمة.












































