- وزير النقل ووزير العمل، نضال القطامين، يقرر تمديد ساعات العمل في عدد من مديريات العمل في العاصمة والمحافظات حتى الساعة الخامسة مساءً، وذلك اعتبارا من يوم الأحد الموافق 12/9/2026 وحتى يوم الأربعاء الموافق 30/9/2026
- القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، تقول إنّه جرى إخلاء 10 مصابين إلى الأردن، إثر حادث سير في مصر وليس 11 مواطنا أردنيا؛ فيما تعذّر إخلاء مصاب جواً في الوقت الحالي، بناءً على التقييم الطبي لحالته
- وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية محمد الخلايلة، يعلن إطلاق 6 خدمات إلكترونية جديدة في دائرة تنمية أموال الأوقاف
- استشهاد 11 مواطنا لبنانيا، بينهم رضيعان ومسعفان، وإصابة خمسة آخرين، الليلة الماضية، في غارات نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على مبنى ومركبة في بلدة كفررمان جنوب لبنان
- إصابة فلسطينيان بجروح خطيرة، مساء الأحد، في هجوم للمستوطنين على قرية حجة، شرق قلقيلية، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"
- ترتفع درجات الحرارة اليوم اليوم لتسجل أعلى بقليل من معدلاتها العامة لمثل هذا الوقت من السنة، ويكون الطقس معتدل الحرارة في أغلب المناطق، وحارا في البادية والأغوار والبحر الميت والعقبة
حين لا يُخمد الموت الصوت
"أغمضتُ عيني، ولم أستيقظ أبدًا بعدها". بهذه العبارة أنهت طفلة فلسطينية حكايتها في مقطع فيديو نشرته "الجزيرة مباشر" في 19 شباط 2024، بصوتٍ لم يكن صوتها، بل صوتٌ ولّده الذكاء الاصطناعي لينطق نيابة عنها. الطفلة هند رجب استُشهدت قبل ذلك بأسابيع قليلة، بعد أن حاصرت دبابة إسرائيلية السيارة التي كانت تختبئ فيها بين جثث أفراد عائلتها، وبعد أن استُهدف طاقم الإسعاف الذي حاول إنقاذها.
ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة لاستعادة صوتها بتقنية؛ ففي تشرين الأول من العام نفسه، أعلنت قناة "TRT عربي" في وصف فيديو بعنوان "الطفلة هند رجب.. اللحظات الأخيرة" أنها "حاولت محاكاة اللحظات الأخيرة في حياتها عبر الذكاء الاصطناعي"، فحصد المقطع أكثر من 271 ألف مشاهدة.
مقاربات مختلفة لقصة واحدة، خلال أقل من عامين. بين من رأى في الذكاء الاصطناعي أداة لإعادة صوتٍ أُسكت قسرًا، ومن رأى فيه محاكاة تنتهك خصوصية اللحظة الأخيرة من حياة طفلة، يطرح السؤال نفسه: متى يتحول توليد صوت أو صورة ضحية متوفاة، خصوصًا إذا كانت طفلًا، من أداة توثيق إلى استغلال عاطفي؟ وما دامت المواثيق التحريرية العربية الواضحة التي تفصل بين التوثيق والتمثيل الدرامي غائبة، هل يبقى القرار في النهاية رهن ضمير فردي داخل غرفة تحرير، لا معيارًا مؤسسيًا راسخًا؟
من طفلة إلى نمط عالمي
وبعيدًا عن غرف الأخبار، لم تعد هذه الظاهرة حكرًا على الصحافة. صفحات متخصصة على إنستغرام باتت تنسج مشاهد فرح لم تحدث قط: شهداء الثورة السورية "يعودون" ليحتفلوا مع أهاليهم بذكرى سقوط النظام. المقطع نشرته صفحة advkiki "حكم القيقي" المتخصصة بصناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي وتضم أكثر من 1.3 مليون متابع، ونُشر بتاريخ 30 نوفمبر 2025 محققًا نحو 3.5 مليون مشاهدة و119 ألف إعجاب، في مقاطع تستدر التعاطف بقدر ما تطرح سؤالًا عن حدود توظيف صورة الموتى.
والظاهرة نفسها تتكرر عالميًا بصيغة أخف وطأة، كما في فيديو أنتجته صفحة nerdsoul.ai المعروفة باسم Nerd Soul AI لتوليد الفيديوهات وتضم 316 ألف متابع، محققًا وحده أكثر من 11 مليون إعجاب و133 مليون مشاهدة، الفيديو يُظهر نجم كرة القدم نيمار وهو "يلتقي" بنسخ من نفسه في أعمار مختلفة تقنعه بمواصلة اللعب حتى مونديال 2030، حلمٌ لم يتحقق يُعاد تركيبه بالذكاء الاصطناعي ليبدو كأنه ممكن، حتى أن نيمار نفسه تفاعل مع الفيديو معلّقًا عليه. وقد انتشر المقطع على نطاق عربي وأعادت نشره صفحات أخرى مثل aljazeera.sports بتاريخ 14 يوليو .
من الطفلة المستشهدة إلى نجم الملاعب يتكرر النمط نفسه: تقنية واحدة تُستخدم لسدّ الفجوة بين ما حدث وما تمنّى الناس أن يحدث.
بين الإفصاح والوقار
وبين من أجاز استحضار الأصوات والصور تكريمًا وتوثيقًا، ومن رأى فيه انتهاكًا لا يستقيم إلا بإذن صريح، يظل السؤال الأوسع: أين ينتهي التوثيق وتبدأ المحاكاة التي تتجاوز الغاية الصحفية؟ يجيب لـ "اسم المنصة التي سأنشر بها" في مقابلة أجريتها في تاريخ 1 أغسطس من هذا العام أخصائي الذكاء الاصطناعي وأمين عام جائزة الذكاء الاصطناعي العالمية رامي الشاهين بأن التوليد نفسه ليس المشكلة: "أي حقيقة تُنتج وهي غير موجودة تُعدّ تزييفاً، بغض النظر عن النية، لكن هذا لا يعني أنها ممنوعة. ضع العلامة المائية (Watermark)، وأفصح للجمهور عن أن هذه القصة مَولّدة بالذكاء الاصطناعي. فإذا كان الهدف تعليمياً أو توثيقياً، فلن تؤثر عليك هذه المعلومة أخلاقياً ولا قانونياً، شريطة الاعتراف بذلك، ووضع العلامة، وإعلام الجمهور بصراحة بأن المادة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي."
إذا كان معيار شاهين هو الإفصاح، فإن معيار المحامي المتخصص في قضايا الإعلام والمطبوعات والنشر والجرائم الإلكترونية خالد خليفات ينطلق من نقطة أخرى تمامًا: الوقار. فسؤاله الأول ليس: هل جرى الإفصاح عن المادة المولَّدة؟ بل: هل مسَّ التوليد بشرف الشخص وكرامته وهيبته؟ يقول خليفات إن الأصل في توليد الصور بالذكاء الاصطناعي هو الإباحة: "نستطيع توليد صور من خلال الذكاء الاصطناعي". غير أنه يضع فورًا الشرط الحاسم: "السؤال الثاني الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا يتعلق بشكل الصورة المُولّدة: هل ينال هذا الشكل من شرف الشخص أو كرامته أو هيبته؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الفعل يغدو مخالفاً للقانون. أما إذا كان وضع الصورة طبيعياً، ولا يحمل أي إساءة من شأنها المساس بشرف صاحب الصورة أو كرامته أو وقاره، فلا يوجد بالتأكيد ما يمنع ذلك ".
القانون وحدود التوليد
يضع خليفات القاعدة الحاكمة: الأصل في استخدام الذكاء الاصطناعي هو الإباحة، لا الحظر. "لا يوجد، من حيث المبدأ، نص واضح وصريح يُجرّم استخدام الذكاء الاصطناعي، ما دام هذا الاستخدام يهدف إلى توليد محتوى قانوني في ذاته". بهذه القاعدة، ينقلب عبء الإثبات: بدلًا من افتراض أن كل مادة مولَّدة مشبوهة حتى يثبت العكس، يصبح السؤال القانوني الحقيقي محصورًا في حالات استثنائية محددة يخالف فيها المحتوى نفسه القانون، لا في فعل التوليد بحد ذاته.
ويربط خليفات هذا المعيار مباشرة بمشاهد الضحايا والأطفال في الحروب. فحين يُعاد توليد مشهد الضحية بشكلها الطبيعي، وللدلالة على تأخر المساعدات الطبية أو إثبات أنها مدنية عزلاء، يبقى الفعل مشروعًا "لأن الصحافة في النهاية عندها رسالة بدها تنقلها". أما حين يُولَّد مشهد الضحية بعد إصابتها بشكل مشوَّه أو مرعب يثير في الناس "نوعًا من الخوف" أو "الرهبة"، فإن ذلك، بحسب خليفات، "بالتأكيد يخالف أول شيء أدبيات نشر الصور من الناحية القانونية ومن الناحية المهنية" وهي مخالفة يصفها بأنها جزء من "مخالفة ميثاق الشرف الصحفي، ومخالفة ميثاق الشرف الصحفي هي مخالفة قانونية منصوص عليها بقانون المطبوعات والنشر".
وإذا كان شاهين قد وسّع تعريف "التزييف" ليشمل كل "حقيقة تُنتج غير موجودة" بغض النظر عن النية، فإن خليفات يرسم حدودًا أضيق وأكثر تفصيلًا، مستندًا إلى وجود أساس واقعي للصورة من عدمه، لا إلى مجرد فعل التوليد بحد ذاته. "التزييف هو إنشاء صورة لا أساس لها في الواقع، أما التعديل والتغيير فيكون على صورة لها أساس واقعي، على أن يتم هذا التعديل بطريقة لا تنال من وقار صاحب الصورة".
الخطر الأكبر للتوليد ..الهندسة المجتمعية
ولا يتوقف الخطر، بحسب شاهين، عند حدود القصة الفردية أو الاستغلال العاطفي لمشهد واحد. فحين سُئل عن خطورة توليد محتوى يمسّ الشخصيات والرموز، تجاوز الإجابة المتوقعة عن "الإساءة" أو "الاستعطاف" ليكشف عن مخاطر أعمق يصفها بـ"الهندسة المجتمعية"، قائلاً: "ممكن يكون فيها أهم من التلاعب إشي اسمه هندسة مجتمعية". ويوضح شاهين أن الهندسة المجتمعية هي التلاعب بالقرار العام عن طريق حقائق موجهة وُلّدت بالذكاء الاصطناعي للتأثير في متخذي القرار أو في الجمهور المتلقي. بهذا التوصيف، تتجاوز المسألة سؤال "هل أسيء لضحية بعينها؟" إلى سؤال أوسع: من يملك القدرة على توليد "حقيقة" مقنعة بنسبة تقارب 100%، وكيف يمكن لهذه الحقيقة المصطنعة أن تُوجّه رأيًا عامًا بأكمله، أو تؤثر في قرار سياسي، دون أن يدرك من يتلقاها أنه يُستدرج داخل رواية لم تحدث؟
ويتجاوز شاهين مسألة "الإفصاح" وحدها إلى مبدأ أعمق: الحكم لا يرتبط بالتقنية المستخدمة أو حتى بنية صاحبها، بل بطبيعة الاستخدام وأثره الفعلي. ولإيضاح هذا المبدأ، استحضر مثالين متناقضين تمامًا من واقع الاستخدامات الفعلية للتقنية نفسها: صوت لمطرب راحل في أغنية خاصة بكأس العالم، في مقابل توليد صورة أو مقطع لرئيس دولة وهو يُلقي خطابًا لم يُلقه فعليًا. فالتقنية في الحالتين واحدة، لكن الحكم القانوني والأخلاقي ينقلب كليًا بين الأداء الفني الاحتفالي والتزوير السياسي.
ويحسم شاهين مسألة العلامة المائية بوضوح: الإفصاح يندرج ضمن "الالتزام التنظيمي"، لا في إعادة تعريف طبيعة المادة نفسها. بعبارة أخرى، فالعلامة المائية لا تُحوّل التزييف إلى حقيقة، بل يحوّله من تزييف مُضلِّل إلى تزييف مُعلَن ومسموح به.
الرموز والتطور التقني
ولا يقتصر هذا المبدأ، في نظر شاهين، على المحتوى الإنساني أو العاطفي وحده، بل يمتد ليشمل الرموز الوطنية والسياسية. فالقانون الدولي والأردني، بحسب وصفه، يُجرّمان التلاعب بالشخصيات والرموز الوطنية متى كان الهدف منه الإساءة أو تغيير حقيقة قائمة. ولتقريب الفكرة، يضرب مثالًا بصريًا مباشرًا: أن يُصمَّم فيديو لعلم دولة ما، فيُستبدل فيه أحد الألوان بآخر — تلاعب بسيط ظاهريًا، لكنه في نظر القانون تلاعب برمز سيادي لدولة بأكملها.
ويضيف شاهين إذا كانت هذه الخطوط الفاصلة تبدو كافية نظريًا، فإن ما يجعلها أكثر إلحاحًا اليوم هو التطور التقني نفسه. فالنماذج اللغوية الضخمة باتت قادرة على إنتاج وسائط جديدة — صور ومقاطع فيديو لا وجود لها أصلًا — إلى درجة لم يعد يستطيع تمييزها عن مادة حقيقية سوى متخصصين مدرَّبين على كشف أثر التوليد. مشيرًا أن هذا التطور يتسارع أكثر مع دمج تقنيات حديثة، أبرزها ما يُعرف بنموذج "JEPA"، الذي يعمل على تقليل الأخطاء والشوائب التي كانت تكشف زيف الصورة أو الفيديو المولَّد.
الواقع التشريعي والتجربة الجماهيرية
بدأ المشهد التشريعي العربي والدولي يتشكل بسرعة للسيطرة على هذه التقنية. أردنيًا يبرز «نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026» الصادر بموجب قانون المطبوعات والنشر الأردني؛ حيث أفردت المادة (18) أحكامًا صريحة تنظم أخلاقيات وضوابط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، مُلزمة بالإفصاح التام للجمهور، وحاظرةً توظيف هذه التقنيات في إنتاج محتوى مضلل أو يمس حقوق الأفراد وخصوصيتهم. وعالميًا، يتقاطع هذا الاتجاه مع قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (اللائحة EU 2024/1689)، وتحديدًا المادة (50) التي تفرض التزامات الشفافية ووسم المحتوى المصنوع أو المعدل آليًا لتوضيح طبيعته للجمهور، وحظر التضليل في تقنيات "التزييف العميق".
لكن، هل تكفي الأطر القانونية وموافقة أهالي الضحايا لإضفاء الشرعية الأخلاقية الكاملة على استحضار الأصوات الرقمية؟ تُظهر التجربة العالمية أن الجدل يتجاوز العقود والموافقات؛ ففي شباط 2025، أثارت شبكة "نتفليكس" موجة نقد إبان عرض وثائقي "American Murder: Gabby Petito"، الذي يتناول قصة اختفاء الرحالة الشابة "غابي بيتيتو" ومقتلها على يد خطيبها في أثناء رحلة تخييم برية هزت الرأي العام الأمريكي. ورغم أن صُنّاع الوثائقي حصلوا على إذن رسمي من عائلة "غابي" واستعانوا بتقنية استنساخ الصوت بالذكاء الاصطناعي لقراءة يومياتها ورسائلها المكتوبة بالفعل بصوت مصطنع يُحاكي صوتها، فإن الشارع والمشاهدين انقسموا بين رافضٍ رأى في العملية تجريداً للضحية من مشاعرها وانتقاصاً من حرمة فقدها، وبين مَن وجد فيها معالجة إخراجية مبررة.
ورغم موافقة العائلة الرسمية على المشروع، لم يخلُ الأمر من ارتباك داخلي؛ إذ صرّح زوج والدة غابي ، جيم شميت، بأن الألم لا علاقة له بمصدر الصوت من الأساس: "سواء كان صوتًا مصطنعًا بالذكاء الاصطناعي أو صوتها الحقيقي، ما زلت أتأثر عند سماعه وأنا أعلم أنها رحلت" . وهنا يتجاوز التعليق حدود النقاش التقني حول "الاستنساخ" ليطرح سؤالًا أعمق: هل المشكلة أصلًا في نوع الصوت الذي نسمعه، أم في مواجهة غياب من رحل، أيًّا كانت الوسيلة التي يعود بها ذلك الصوت؟
ويظهر هذا التباين جلياً في انطباعات الجمهور؛ إذ توضح ميس شاهين، إحدى المشاهدات للوثائقي والتي رُصد رأيها مباشرة عقب متابعتها للعمل، لنعكس تجربة التلقي في لحظتها الحية، مبينة أنه في هذا الوثائقي، كان استخدام الذكاء الاصطناعي في إطار توثيق الذكريات وإبرازها، لا في اختراع شيء جديد أو تقديم معلومات مغلوطة. و أوضحت ميس:"لم يكن الاستخدام مزعجًا أو اختراقًا للخصوصية؛ فالرسائل كانت مكتوبة بالفعل وموثقة، واستخدام الصوت المصنوع تقنيًا جاء فقط لإعطاء تأثير أكبر للكلام". وتراه خيارًا إخراجيًا خدم القصة، لأنه ساعد على توثيق الذكريات وإيصالها بصورة أعمق.
لكن في بعض الأحيان يكون الانزعاج الجماهيري يتجاوز أحيانًا الشرعية القانونية أو موافقة العائلة، ليلامس شعورًا فطريًا بالرفض تجاه استحضار الأصوات بعد الموت، حتى عندما يجري ذلك تحت مظلة التوثيق أو بإذن رسمي. يتجلى هذا الرفض بشكل أوضح في المقارنة المباشرة بين المادة التوثيقية الواقعية وتلك المصنوعة تقنيًا؛ فعند عرض الفيديوهات الموَلّدة بالذكاء الاصطناعي الخاصة بالطفلة هند رجب للجمهور إلى جانب الأعمال الوثائقية التي تناولت قصتها ونقلت شهادات حية عنها، تظهر الفجوة الوجدانية جلية.
ولنرصد تفاعل حقيقي، ولقياس الفروق في الأثر العاطفي والتلقي الأخلاقي بين المحتوى الوثائقي الحقيقي والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، عُرضت هذه المواد بعينها والتي شملت الوثائقي الأصلي المعتمد على تسجيلات وشهادات حقيقية في مقابل مقطع صُنع بالذكاء الاصطناعي للقصة ذاتها على إحدى المشاهدات لنقل تجربة ورأي تفاعلي واقعي، وذلك خلال شهر آب/أغسطس 2026؛ بهدف قياس عمق تجربة التلقي الفردية وقراءتها نوعيًا.
وسُئلت المشاهدة رزان الحمد سؤالاً محوريًا: "كيف تقارنين بين الأثر العاطفي والتعبيري للوثائقي الحقيقي والمقطع المولّد بالذكاء الاصطناعي، وما موقفك من إعادة إحياء أصوات وصور الضحايا تقنيًا؟"
وتعكس شهادة رزان ، هذه الفجوة العاطفية والأخلاقية بوضوح :"انهار قلبي بكاءً وتأثرت شديد التأثر بالطفلة وخالها وعائلتها، وبحرقة قلب أمها التي تفجع الروح حرفيًا. لكن شتّان بين وثائقي يُمزق القلب بوقائعه، وبين فيديو صُنع بالذكاء الاصطناعي. صحيح أن النص المولّد كان محزنًا، لكنه لم ينقل إليّ الإحساس الصادق ذاته الذي لمسته في صوت الشهيدة هند نفسها. بصفتي مشاهدة، لا أحبذ توليد صوت أو صورة لشخص متوفى وإعادته كأنه حي يسرد قصته؛ إذ أكتفي بالواقع المؤلم الذي تركته هند وهي تستنجد، وبصوت ليان الذي سبقها، ويأس المسعفين. لو شاهدت المقطع المولّد دون معرفة بالحقيقة سأتأثر حتمًا، لكنه لن يلامس عمق التأثر الذي أحدثه الصوت الحقيقي والأشخاص الواقعيون وهم يروون ما مرّوا به"
وعودةً إلى هند رجب، تبقى العبارة التي ختمت بها المشهد أكثر من مجرد جملة في مقطع مولّد؛ فهي تختصر المسافة بين الحقيقة وما يصنعه الذكاء الاصطناعي فوقها. وفي هذا الفارق تحديدًا، تتقاطع شهادتان لأمّين عاشتا التجربة من طرفين متناقضين تمامًا: فبينما منحت عائلة غابي بيتيتو موافقتها الرسمية على استنساخ صوت ابنتها بالذكاء الاصطناعي، اعترفت والدتها نيكول شميت لاحقًا بأن التجربة "غريبة"، موضحة أنها "لأننا نعرف صوتها الحقيقي، يبدو الأمر مختلفًا قليلاً، ومن الصعب سماعه". أما والدة هند رجب،التي واجهت التسجيل الحقيقي الأخير لاستغاثتها، وقالت في مقابلة مع الجزيرة مباشر إنها لا تستطيع مشاهدة الفيلم الذي جسّد قصة ابنتها ولا حتى سماع صوتها، فـ"كل مرة أسمع صوتها أنهار".
في تلك المقابلة، اختصرت الأم الفاجعة حين أكدت أن صوت هند الاصلي ،بأشجانه وخوفه الواقعي ارتبط في ذاكرتها برعب اللحظات الأخيرة وحسرة عدم القدرة على الإنقاذ، ما يجعل سماع صوتها، حتى لو كان وثائقياً أو مُحاكاة تقنية، نهوضاً متجدداً للمأساة.
أمّان في سياقين مختلفين جذريًا إحداهما أذنت بالاستخدام والأخرى لم تُستشر أصلًا لأن الصوت كان توثيقًا واقعيًا لا استنساخًا وكلتاهما لم تحتملا مواجهة صوت الابنة من جديد. هكذا يعود الجدل كله إلى نقطته الأولى: هل يمكن لصوت مصنوع أو حقيقي، مهما كان متقنًا، أن يحيي ذاكرةً لا يطيق أصحابها حتى سماع صداها؟ وبين التوثيق وإعادة الإنتاج، يبقى الألم الحقيقي عند رحيلهن غدر لا عند ما يُصنع باسمهن.
بين التوثيق الإنساني وبين إحياء الصوت بالذكاء الاصطناعي، تظل الحقيقة الثابتة أن الألم الحقيقي عاشته هند في السيارات المحاصرة بين دبابات الاحتلال، وأن روحها لا تحتاج إلى صوت مصنوع ينطق نيابة عنها، بقدر ما يحتاج العالم إلى الضمير الأخلاقي والمسؤولية التشريعية كي لا تُستبدل الفاجعة الواقعية بمجرد "محاكاة ذكية".












































