بعيدًا عن إشاعات التغيير…ما الذي تحتاجه عمّان من أمينها؟

في كل مرة تعود فيها الأحاديث عن تغيير أمين عمّان، يتجه النقاش سريعًا نحو الأسماء، بينما يغيب السؤال الأهم، ما الذي تحتاجه المدينة فعلاً من هذا المنصب؟ القضية ليست من يجلس على الكرسي، بل كيف يُدار هذا الكرسي في مدينة يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين، وتتعاظم فيها التحديات يومًا بعد يوم.

عمّان اليوم ليست مجرد بلدية تقدم خدمات تقليدية، بل كيان حضري معقّد، يحتاج إلى قيادة تجمع بين الإدارة الصارمة والرؤية المستقبلية. ومن هنا، فإن تقييم أي أمين، أو التفكير في القادم، يجب أن ينطلق من معايير واضحة، لا من ضجيج الإشاعات، سواء تعلّق الأمر بأسماء مثل الأمين الحالي يوسف الشواربة أو ما يُتداول من شائعات حول عرض منصب الأمين على الوزير السابق عامر الحديدي.

أول ما تحتاجه عمّان هو أمين يفهم المال العام بوصفه أداة تنموية لا مجرد أرقام في موازنة. عندما تصل موازنة أمانة عمان الكبرى إلى نحو 367 مليون دينار، فإن التحدي لا يكمن في حجمها، بل في كيفية توجيهها من خلال ادارة مالية ذكية، تعيد ترتيب الأولويات، توازن بين الإنفاق والخدمات، وتبحث بجرأة عن مصادر إيراد جديدة دون تحميل المواطن كلفة إضافية غير مبررة.

وتبقى الخدمات اليومية هي الامتحان الحقيقي. النظافة، الطرق، النقل العام، التراخيص، وتنظيم الأسواق، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع الانطباع العام عن المدينة. وهنا، لا يكفي أن يكون الأمين إداريًا جيدًا، بل يجب أن يكون صاحب قرار، قادرًا على فرض النظام، خصوصًا في ملفات مزمنة مثل البسطات العشوائية والاعتداء على الأرصفة، التي تحولت إلى اختبار لهيبة المدينة قبل أن تكون قضية تنظيمية.

في المقابل، لا يمكن أن تبقى عمّان أسيرة إدارة يوم بيوم. المدينة تحتاج إلى عقل استراتيجي يفكر لما بعد الغد، لا فقط في حل أزمات اليوم. التخطيط العمراني، التوسع المنظم، إدارة النمو السكاني، والتعامل مع تحديات مثل التغير المناخي، كلها ملفات لا تحتمل الحلول المؤقتة. الأمين المطلوب هو من يرى عمّان كمدينة مستقبلية، لا كمساحة خدمات (وهذا ما تقوم به الأمانة من خلال مشروع عمان مدينة ذكية).

ومن أهم ما يُنتظر من أي أمين الانتقال الحقيقي نحو الإدارة الرقمية. الحديث عن التحول الرقمي لم يعد ترفًا، بل ضرورة لخفض البيروقراطية وتعزيز الشفافية. أنظمة مثل ERP ليست مجرد مشاريع تقنية، بل أدوات لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بحيث تصبح الخدمة أسرع، أوضح، وأقل كلفة.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل لا يقل أهمية، وهو القدرة على التنسيق. أمين عمّان ليس مدير دائرة، بل حلقة وصل بين الحكومة، والمجلس البلدي، والمجتمع. نجاحه يقاس بقدرته على إدارة هذا التوازن، دون أن تتحول الأمانة إلى ساحة تجاذب أو بيروقراطية معطّلة.

أما الشفافية، فهي النقطة التي تختصر كل شيء. الثقة بين المواطن والأمانة لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، وضوح في القرارات، عدالة في التطبيق، ومحاسبة حقيقية عند الخطأ. أي أمين لا يضع هذا المبدأ في صلب عمله، سيجد نفسه بعيدًا عن نبض المدينة مهما كانت إنجازاته.

في النهاية، عمّان لا تحتاج “اسمًا جديدًا” بقدر ما تحتاج “نهجًا جديدًا”. أمين يمتلك الجرأة لاتخاذ القرار، والرؤية لبناء المستقبل، والكفاءة لإدارة التفاصيل. أما الإشاعات، فتبقى مجرد ضجيج عابر، لا يغير من حقيقة واحدة، أن المدينة أكبر من الأشخاص، وأن نجاحها يبدأ من وضوح ما نريده ممن يقودها.