بدران لعمان نت: الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي شرط لاستقرار العالم العربي

قال رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عدنان بدران إن تحقيق الأمن والاستقرار في العالم العربي لم يعد مرتبطاً بالأمن العسكري وحده، مؤكداً أن بناء اقتصاد عربي قادر على الاعتماد على الذات، وتوفير فرص العمل، ومواجهة الفقر والبطالة، بات جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني والإقليمي.

وأضاف بدران، خلال مشاركته في المؤتمر العلمي العربي الذي يبحث في الاستقرار في الوطن العربي، أن الدول العربية تمر بمرحلة من "الهشاشة"، ما يتطلب الانتقال إلى مرحلة بناء "المنعة" من خلال الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا والتعليم، وتعزيز التعاون بين الدول العربية.

وأشار إلى أن العالم دخل الثورة الصناعية الرابعة التي تقوم على الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات وتكنولوجيا المعلومات وعلوم النانو، موضحاً أن مخرجات البحث العلمي تتحول إلى تكنولوجيا وبراءات اختراع، ثم إلى صناعات قادرة على المنافسة.

وقال إن عدداً من الدول، بينها الصين وكوريا الجنوبية وفنلندا وإيرلندا وسنغافورة، تمكنت من تحقيق تقدم سريع في هذا المجال، معتبراً أن التعليم كان أحد أهم أسباب هذا التفوق.

ودعا بدران إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، معتبراً أن تشتت الدول العربية وتعامل كل دولة بصورة منفردة يحد من قدرتها على مواجهة التحديات.

وقال إن هناك ملفات يمكن أن تشكل أساساً للتعاون العربي، وفي مقدمتها الأمن الغذائي والطاقة والمياه والاتصالات والنقل والسكك الحديدية، إلى جانب إنشاء سوق عربية مشتركة.

وانتقد ما وصفه بتهميش دور المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية، داعياً إلى إعادة تفعيل العمل العربي المشترك والاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها المنطقة في مجالات الطاقة والتعدين والموارد البشرية والتعليم والبنية التحتية.

وفي الشأن الأردني، قال بدران إن الأردن نجح في الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية حدوده، لكنه ما زال بحاجة إلى بناء اقتصاد وطني أكثر اعتماداً على الذات، وتقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.

ودعا إلى تطوير الصناعات المرتبطة بالثروات المعدنية، خصوصاً الفوسفات والبوتاس، بدلاً من تصدير الخامات، والعمل على تحويلها إلى منتجات صناعية وأسمدة ذات قيمة مضافة.

وقال إن الأردن يصدر الفوسفات والبوتاس إلى الأسواق العالمية، لكنه يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على التصنيع محلياً، بما يتيح للأردن زيادة العائد الاقتصادي من موارده الطبيعية وتعزيز قدرته التنافسية.

واستشهد بدران بتجربة إسرائيل في استغلال موارد البحر الميت، قائلاً إن لديها أكثر من 20 مشروعاً صناعياً قائماً على معادن البحر الميت، وإنها أصبحت من كبار مصدري البرومين عالمياً.

وأكد أن الأردن يمتلك بدوره موارد وإمكانات يمكن تطويرها، سواء في التعدين أو البحر الميت أو الطاقة، داعياً إلى وضع هذه الموارد ضمن استراتيجية اقتصادية طويلة المدى.

وفي ملف الطاقة، أشار بدران إلى أن الأردن يقع ضمن حزام شمسي مهم، معتبراً أن البلاد تستطيع التوسع في إنتاج الطاقة الشمسية، لكن المطلوب، برأيه، هو الاستثمار في البحث العلمي لتطوير تقنيات تخزين الطاقة، وليس الاكتفاء بإنتاجها.

كما شدد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري، معتبراً أن الجامعات والمدارس والبنية التحتية الموجودة في الأردن تشكل قاعدة يمكن البناء عليها لإعداد استراتيجية اقتصادية مستقبلية تركز على الإنتاج والتصدير والاعتماد على الذات.

وقال بدران إن الأردن يواجه "تحدياً وجودياً"، رغم اعتباره من الدول العربية الأكثر استقراراً وأمناً، مؤكداً أن المحافظة على الاستقرار تتطلب الانتقال إلى مرحلة أوسع تشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والمائي والطاقوي.

وربط بدران بين الاستقرار العربي ووقف الصراعات الداخلية، مشيراً إلى الحروب في السودان واليمن وليبيا، إضافة إلى الأزمات التي شهدتها دول عربية أخرى، ودعا إلى إنهاء هذه الصراعات والتوجه نحو بناء اقتصادات ومجتمعات عربية أكثر تماسكاً.

وأكد أن المنطقة العربية تمتلك إمكانات كبيرة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى إدارة وحوكمة رشيدة، قائلاً إن كثيراً من الفرص تضيع بسبب ضعف الإدارة وعدم تحويل الموارد المتاحة إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.

وأوضح أن المؤتمر العربي الذي يعقد في الأردن للمرة الأولى يبحث في جوانب مختلفة من "الهشاشة" التي تواجه العالم العربي، وكيفية تحويلها إلى عناصر قوة ومنعة، في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة عالمياً.

وختم بدران بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ترتيب أولويات الدول العربية، بحيث لا يقتصر مفهوم الأمن على الجانب العسكري، بل يشمل الاقتصاد والغذاء والمياه والطاقة والمجتمع، إلى جانب بناء قاعدة علمية وتكنولوجية قادرة على المنافسة.