اليرموك والناقل الوطني.. مفترق طرق في مستقبل المياه بالأردن
في ظل أزمة مائية تُعد من الأكثر حدة عالمياً، يقف الأردن أمام مفترق طرق حاسم بين تحديات إقليمية معقدة ومشاريع وطنية كبرى تسعى لتأمين احتياجاته من المياه. وبينما يبرز حوض نهر اليرموك كأحد أبرز ملفات الخلاف والتعاون مع سوريا، يتقدم مشروع “الناقل الوطني” كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن المائي. إلا أن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي هذه المسارات مجتمعة لمعالجة العجز المائي المزمن؟
يُشكّل نهر اليرموك شرياناً حيوياً للأردن، إذ يرفد ما يقارب 40% من موارده السطحية، غير أن تدفقاته تراجعت بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عوامل سياسية ومناخية واستخدامات مفرطة.
الخبير في الشؤون المائية الدكتور دريد محاسنة أكد أن جوهر الأزمة يرتبط بعدم الالتزام بالاتفاقيات، قائلاً إن “الاتفاقية الموقعة عام 1987 لم تُطبق كما يجب، خصوصاً من الجانب السوري خلال السنوات الماضية”.
وأشار إلى أن عدد السدود في الجانب السوري تجاوز ما هو متفق عليه، موضحاً أن “المفترض كان إنشاء 27 سداً، لكن الواقع يشير إلى وجود نحو 44 سداً، إضافة إلى عشرات الآبار، ما أدى إلى احتجاز كميات كبيرة من المياه”.
وأضاف أن الأردن لم يحصل على حصته المائية المتفق عليها، رغم بناء سد الوحدة على أساس استقبال هذه المياه، لافتاً إلى أن “المراجعة الحالية تهدف لتحديد كميات المياه الممكن استقبالها مستقبلاً”.
وشهدت العلاقات الأردنية السورية مؤخراً تحولاً لافتاً بعد التغيير السياسي في دمشق، حيث برزت مؤشرات على رغبة مشتركة بإعادة تنظيم ملف المياه.
ويرى محاسنة أن الحل يكمن في العودة إلى الاتفاقيات السابقة، مشدداً على أن “تطبيق اتفاقية 1987 هو المخرج الحقيقي، باعتبارها تنظم الحقوق المائية بشكل قانوني”.
كما لفت إلى أن التحديات لا تقتصر على الجانب السوري، بل تشمل أيضاً ممارسات إسرائيل في المنطقة، إلى جانب التغير المناخي، ما يزيد من تعقيد المشهد المائي في الحوض.
في موازاة التعقيدات الإقليمية، يراهن الأردن على مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر في العقبة ونقلها إلى مختلف المحافظات، باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المملكة.
أستاذ علوم المياه في الجامعة الأردنية الدكتور إلياس سلامة وصف المشروع بأنه “مشروع وطني وأمن مائي”، مؤكداً أنه الخيار الوحيد المتاح لزيادة كميات المياه.
وأوضح أن “الأردن لم يعد يملك مصادر إضافية داخلية، وبالتالي فإن تحلية مياه البحر أصبحت ضرورة لا خياراً”، مشيراً إلى أن الكفاءات الفنية والتقنيات متوفرة، بينما يبقى التحدي الأكبر في التمويل.
وأضاف أن “الإرادة السياسية حاضرة بقوة لتنفيذ المشروع، خاصة مع تأكيدات رسمية على ضرورة الالتزام بالجدول الزمني وعدم التأخير”.
رغم أهمية المشروع، يرى سلامة أنه ليس حلاً نهائياً للأزمة، موضحاً أن “الناقل الوطني سيغطي الاحتياجات الحالية، لكنه لا يغني عن البحث عن مصادر إضافية مستقبلاً، مثل التوسع في تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة”.
وأشار إلى أن تحسين الوضع المائي الحالي، نتيجة الموسم المطري الجيد، لا يعني زوال الأزمة، قائلاً إن “الوضع مريح لهذا الصيف، لكن أي موسم جفاف قادم قد يعيد الأزمة إلى مستويات خطيرة”.
في المقابل، حمل الموسم المطري 2025-2026 مؤشرات إيجابية، حيث تجاوزت الهطولات 130% من المعدل السنوي، ما أدى إلى امتلاء معظم السدود في الوسط والجنوب وتحسن المخزون الجوفي.
وأوضح الناطق باسم وزارة المياه والري عمر سلامة أن هذه النتائج ستُسهم في تحسين التزويد المائي خلال الصيف، وتعزز فرص موسم زراعي جيد، رغم استمرار التفاوت في كميات التخزين بين المناطق، خصوصاً في الشمال.
ورغم هذه التحسينات، لا يزال الأردن يعاني عجزاً مائياً يُقدّر بنحو 400 مليون متر مكعب سنوياً، في ظل استهلاك يتجاوز 1.1 مليار متر مكعب، مقابل إمدادات محدودة.
وتُعد حصة الفرد من المياه من الأدنى عالمياً، إذ لا تتجاوز 60 متراً مكعباً سنوياً، في وقت يتزايد فيه الطلب نتيجة النمو السكاني واستضافة اللاجئين.
بين رهانات التعاون الإقليمي ومشاريع التحلية الكبرى، يسعى الأردن إلى إعادة صياغة معادلة الأمن المائي في ظل ظروف شديدة التعقيد. وبينما تمثل العودة إلى اتفاقيات اليرموك فرصة لاستعادة الحقوق المائية، يبقى نجاح مشروع الناقل الوطني مرهوناً بسرعة التنفيذ واستدامة التمويل.
وفي المحصلة، تبدو أزمة المياه في الأردن أبعد من أن تُحل بخيار واحد، ما يستدعي مزيجاً من الحلول السياسية والتقنية لضمان مستقبل مائي أكثر استقراراً.












































