الحد الأدنى للأجور .. هل يساعد على الهروب من الفقر؟

من بين الضمانات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة التي يتطلع المواطنون والمواطنات للتمتع بها، يبرز الحدّ الأدنى للأجور كأحد أهم هذه الضمانات لمنع استغلال العمّال وتأمين شبكة أمان توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وعليه، فإن النظر إلى الحدود الدنيا للأجور في الأردن تبين هشاشة هذه الحدود أمام الفقر.

 

في الأردن، يعيل كل فرد عامل نفسه وثلاثة أفراد آخرين بالمتوسط، نظرًا إلى أن معدل المشاركة الاقتصادية الخام في الأردن (قوة العمل منسوب الى مجموع السكان) تبلغ 23.8%، بحسب دائرة الإحصاءات العامة. لذا فإن الحد الأدنى للأجور البالغ 220 دينارًا، لن يقي من يتلقاه من الوقوع تحت خط الفقر، وبالنظر إلى أرقام مسح دخل ونفقات الأسرة 2017/2018 نرى أن خط الفقر للفرد يُقدّر بـ100 دينار شهرياً، أي 1200 دينار سنوياً. كما أن خط الفقر للأسرة (4.8 أفراد) بلغ 480 ديناراً شهرياً.

 

وفي هذا الإطار، يُفسّر أستاذ علم الاجتماع محمد الجريبيع لـ"المرصد العمالي"، أن الفقر من المنظار الاجتماعي هو الانعزال وعدم المشاركة في أي فعالية اجتماعية أو نشاط أو واجب بسبب عدم القدرة الاقتصادية، مشيراً إلى أنه لا يوجد تعريف موحد ومتفق عليه للفقر، لكنه يعني عموماً عدم قدرة الإنسان على تلبية كافة احتياجاته الاقتصادية والاجتماعية، وأقساها الوصول إلى مرحلة الجوع والعجز عن الحصول على الطعام ودفع كلفة المواصلات.

 

ومن واجب الحكومة، بحسب الجريبيع، دراسة احتياجات المواطنين الحالية وتقديم الدعم لهم، لافتاً إلى أهمية بحث الدولة عن المواطنين الذين تمنعهم كرامتهم من طلب المعونة والمساعدة من الدولة، بخاصة أولئك الذين ترتبط ثقافتهم الاجتماعية بعادات وتقاليد تحول دون طلب المساعدة المصنّف على أنه "كسر لعزّة النفس".

 

في السياق، يقول الخبير الاقتصادي والاجتماعي حسام عايش، لـ"المرصد العُمّالي"، إن زيادة معدلات الفقر كانت نتيجة متوقعة مع تفشي فيروس "كورونا المستجد"، خاصة إذا أُخذ بعين الاعتبار انخفاض مستويات الأجور مقارنة مع المستويات المعيشية المرتفعة في الأردن، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاختلالات والتفاوتات الاجتماعية. 

 

وأضاف إلى أن الإجراءات الحكومية في بعض أوامر الدفاع عملت على تعميق معاناة العاملين والعاملات، وذلك بعد سماحها لمنشآت العمال في القطاع الخاص بخصم 30 بالمائة من أجور العاملين الذي استمروا على رأس عملهم، ثم تخفيضه إلى 20 بالمئة في القطاعات الأكثر تضررًا، وسمحت كذلك بتخفيض 50 بالمئة من أجور العاملين الذين توقفت مؤسساتهم عن العمل.

 

وبيّن عايش أن انخفاض الأجور كان السبب الأساسي لغالبية الاحتجاجات العمالية التي تم تنفيذها خلال الأعوام الماضية في الأردن، إذا لا تزال قطاعات واسعة من العاملين بأجر يحصلون على أجور شهرية تقل عن الحد الأدنى للأجور، إضافة وجود ما يقارب 3 ملايين شخص من عمّال وافدين أو لاجئين من جنسيات مختلفة في الأردن، جرى استثنائهم من الحد الأدنى للأجور بحيث يتقاضى العامل الوافد راتباً شهرياً قدره 150 ديناراً أردنياً.

 

وكانت اللجنة الثلاثية لشؤون العمل، أصدرت قرارًا يقضي برفع الحد الأدنى للأجور، لـيصبح 260 دينارًا للعامل الأردني و230 دينارًا للعامل الوافد، اعتبارًا من الأول من كانون الثاني (يناير) 2021.

 

ورغم مرور حوالي ثمانية أشهر على اتخاذ هذا القرار، إلا أنه لم ينشر حتى الآن في الجريدة الرسمية، ما يعتبر مخالفة للمادة 52 من قانون العمل التي تلزم بنشره في الجريدة الرسمية.

 

وكانت اللجنة الثلاثية (والتي تضم أعضاءً من وزارة العمل واتحاد النقابات العمالية وأصحاب العمل)، قررت بالإجماع على رفع الحد الأدنى للأجور لـيصبح 260 دينارًا للعامل الأردني، و230 دينارًا للعامل الوافد اعتبارًا من الأول من كانون الثاني (يناير) 2021، على أن يتم سد الفجوة بين الحد الأدنى لأجر العامل الأردني والوافد خلال عامين من هذا التاريخ، وبواقع 50% بعد العام الأول و50% بعد العام الثاني.

 

وفي السياق، يؤكد "المرصد العُمّالي" ضرورة إعادة النظر في سياسات الأجور المُتبعة وإعطائها بعدًا اجتماعًيا، وإحلال نظام جديد يفرض أجورًا تتناسب مع المستويات المعيشية لغالبية المواطنين، بدلًا من النظام الحالي الذي يُحدد الحد الأدنى للأجور بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، من تكاليف المعيشة، والوضع الاقتصادي، ونمو الناتج المحلي الأردني.

 

ويدعو إلى العمل على مواجهة التحديات التي تعوق عملية تطبيق قرار الحد الأدنى للأجور، وتنفيذ التشريعات التي تنظم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال بما يسهم في المساهمة بتحقيق الحماية الاجتماعيّة للعمال، وتحقيق التنمية الاقتصادية وحماية حقوق أطراف العملية الإنتاجية، إضافة إلى تعزيز ظروف عمل لائقة لجميع فئات المجتمع، وشمول العمال الوافدين واللاجئين ضمن قرارات الحد الأدنى للأجور.