اقتصاديون: الموازنة العامة تحت ضغط التوترات الإقليمية وارتفاع كلف الطاقة

تواجه المالية العامة في المملكة مرحلة دقيقة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، خصوصا مع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما قد يرافقها من تداعيات اقتصادية تشمل اضطرابات في الطاقة والتجارة وتراجع حركة السياحة. 

وتأتي هذه التحديات في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من عجز مرتفع واعتماد ملحوظ على المساعدات الخارجية، إلى جانب ارتفاع كلف الاستيراد والطاقة، مما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتأثر بأي صدمة خارجية.

وتشير بيانات وزارة المالية إلى أن عجز الموازنة العامة بعد المنح بلغ نحو 2.13 مليار دينار خلال عام 2025، بما يعادل نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع كلف الطاقة والاستيراد.

 كما تجاوز الدين العام 35.9 مليار دينار حتى أيلول 2025، أي ما يقارب 82.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تشير تقديرات إلى أن خدمة الدين قد تستحوذ على أكثر من 70% من الإيرادات العامة، الأمر الذي يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الحاجة إلى الاقتراض، وتمويل الإنفاق الاستثماري، والحفاظ على استقرار المالية العامة.

في المقابل تؤكد مصادر حكومية أن المملكة تمتلك مخزونات استراتيجية كافية من الطاقة والسلع الأساسية، إضافة إلى خطط بديلة لضمان استمرارية الإمدادات في حال تفاقم التوترات الإقليمية، مشيرة إلى أن الجهات المعنية تتابع التطورات بشكل يومي لضمان استقرار الأسواق المحلية.

كما اتخذت الحكومة إجراءات لتخفيف كلف الاستيراد على القطاع الخاص، من بينها إعفاءات مرتبطة بارتفاع أجور الشحن البحري والسماح مؤقتاً باستيراد بعض البضائع عبر المنافذ البرية، بهدف ضمان استمرار تدفق السلع إلى الأسواق المحلية.

وعن مدى قدرة الموازنة العامة على مواجهة صدمات جديدة، سواء في ارتفاع تكلفة الطاقة أو تراجع الإيرادات، يشير الخبير الاقتصادي فائق حجازين إلى أن أبرز ما يطمئن هو عدم انقطاع الإمدادات، نظرا لأمن المصادر ومرونتها عبر البحر الأحمر، ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل ضغطا على خزينة الحكومة، وقد تستلزم مواجهة العجز اللجوء إلى الاقتراض إذا استمرت هذه الحالة لفترة طويلة.

 

الطاقة التحدي الأكبر

يجمع خبراء اقتصاديون على أن قطاع الطاقة  يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العامة، حيث إن أي ارتفاع في أسعار النفط عالميا أو اضطراب الإمدادات سيفاقم العجز ويزيد من تكلفة الاستيراد، رغم أن الأردن محمي جزئيا بفضل تنوع مصادره من النفط والغاز، حيث يستورد من العراق والمملكة العربية السعودية عبر موانئ البحر الأحمر، بعيدا عن المناطق الأكثر تأثرا بالنزاع على حد قولهم.

كما تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يزيد التضخم العالمي بحوالي 40 نقطة أساس، مما يضاعف الأعباء على الدول المستوردة للطاقة، بما فيها الأردن.

ويؤكد حجازين أن الأردن يمتلك مرونة في مواجهة صدمات طويلة الأمد، مستشهدا بتجارب سابقة، مثل أزمة العراق، حيث لعب الأردن دور البديل في الاستيراد للمواد الغذائية، مشيرا إلى أن البحر الأحمر يشكل مسارا آمنا لنقل البضائع من وإلى دول الخليج، مؤكدا على أهمية تطوير شبكة طرق برية وربط سككي مع دول الخليج وسوريا ولبنان وتركيا لضمان بدائل آمنة للتصدير والاستيراد.

كما يرى أن النفقات الرأسمالية في ميزانية 2026، خاصة في القطاعات الإنتاجية كالطرق والجسور والمباني ضرورية لتحريك أكثر من 35 قطاعا اقتصاديا مرتبطا بها، مما يحافظ على النمو الاقتصادي حتى في ظل ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف الاستيراد.

ويشير إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على الأردن فقط، إذ تعاني الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار النفط وتوقعات التضخم المرتفع، واستعداد مجلس الاحتياطي الفيدرالي للاقتراض، في حين تجاوزت ديونها 40 تريليون دولار، كما أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية وتأثيراتها الإقليمية، بما في ذلك رد إيران المحتمل، قد تؤدي إلى عواقب اقتصادية وأمنية وخيمة على العالم إذا طالت مدة الصراع.

 

 

ضغوط عالمية وتضخم محتمل

ومع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من احتمال دخول الاقتصاد العالمي في موجة تضخم جديدة، في حال استمرار اضطرابات أسواق الطاقة.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط سينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وميزانيات الأسر، خاصة في قطاعات النقل والسفر والسياحة والزراعة، ما يضع الحكومات أمام تحديات كبيرة في إدارة الأعباء الاقتصادية دون تحميل المواطنين تبعات إضافية.

يرى الخبير الاقتصادي حجازين أن الأردن إلى حد كبير محمي من خطر انقطاع الإمدادات النفطية، بفضل تنوع مصادره الأساسية، فالنفط يأتي من العراق عبر الناقلات، ومن المملكة العربية السعودية عبر الموانئ المطلة على البحر الأحمر، بعيدا عن مضيق هرمز والمناطق المتأثرة بالنزاع، وهو ما يقلل احتمالية انقطاع الإمدادات عن المملكة، مضيفا أن أي ارتفاع عالمي في الطلب على النفط قد يؤثر على الأسعار، لكنه يرى أن تأثير ذلك على الأردن سيكون على المدى الطويل، مع زيادة تكلفة الطاقة على الموازنة الحكومية.

ويشير حجازين إلى البدائل المحلية للطاقة، مثل حقل غاز الريشي، الذي أنتج الغاز خلال العقد الماضي عبر شركة الكهرباء الوطنية، رغم أن الكميات غير كافية لتغطية كامل الاستهلاك، لكنها خطوة مهمة لتقليل الاعتماد على الخارج. 

كما أن مشروع الكهرباء من الصخر الزيتي، الذي بدأ إنتاج نحو 600 ميغاوات، ويمكن أن يصل إلى 1200 ميغاوات، أي ما يغطي نحو 35 إلى 40% من احتياجات الطاقة الكهربائية، مع احتساب الغاز المحلي، يمكن أن يتجاوز الاعتماد على المصادر المحلية 40%، نما يعزز الاكتفاء الذاتي ويحد من الأثر المباشر لأي أزمة عالمية، بحسب حجازين.

 

 

من جهته، يرى الخبير محمد البشير أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤثر مباشرة على كلفة الإنتاج وميزانيات الأسر، إذ إن الطاقة تدخل في كل القطاعات، من النقل والسفر والسياحة إلى الزراعة، سواء المروية أو الموسمية.

 ويؤكد البشير أن الأردن لا يمكنه مواجهة هذه الأزمة بمعزل عن الأسواق العالمية، خاصة السوق الأمريكي والأوروبي، التي شهدت ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار المشتقات النفطية.

 لكنه يشير إلى أن تسعيرة المشتقات الشهرية تمنح الحكومة هامشا لإدارة الأزمة، مع إمكانية الحد من تحميل المواطن الأعباء مباشرة، خصوصا إذا نجحت الجهود الدولية في وقف التصعيد العسكري وعودة سلاسل التوريد للطاقة إلى طبيعتها.

ويضيف البشير أن الأزمة ليست مجرد أزمة طاقة، بل أزمة سلع استراتيجية عالمية، وأن انعكاساتها وصلت إلى جميع السلع والخدمات، بما يشمل السوق الأمريكية وأوروبا. 

كما يبين أن الضغوط على الرئيس الأمريكي في إدارة الأزمة أدت إلى محاولات كبح التصعيد، وما أوردته تقارير مثل صحيفة واشنطن بوست حول احتمال إعلان وقف العدوان قريبا قد يعيد الأسواق إلى مستوياتها الطبيعية ويخفض أسعار النفط إلى حدود 60-65 دولار للبرميل.

ويجمع الخبراء على أن الأردن يمتلك بعض المرونة مقارنة بدول أخرى، بفضل قربه من مصادر الغاز في العراق والسعودية ومصر، وامتلاكه مخزونات محلية من الغاز، إضافة إلى التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة بدعم من البنك المركزي، سواء في الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، مع إمكانية إعادة النظر في الاستثمار في الزيت الصخري إذا استمرت أسعار النفط العالمية في الارتفاع.

كما أن هذه الأزمة تمثل فرصة لتعزيز الاعتماد على الطاقة المحلية، وتطوير بدائل النقل والبنية التحتية، وإنشاء شبكة طرق وسكك حديدية تربط الأردن بدول الخليج وسوريا ولبنان وتركيا، مما يسهم في حماية الاقتصاد الوطني وتحويل أي أزمة إقليمية إلى فرصة استثمارية مستدامة، مستفيدة من دور الأردن كممر تجاري بين الجنوب والشمال وأكثر دول المنطقة استقرارا.