إسرائيل تريد سورية منطقة نفوذ لها

يجب أخذ التهديدات الإسرائيلية لسورية وتركيا على محمل الجد، ليس من قبيل التهويل أو التخويف منها، بل من منطق فهم أهدافها وكيفية مواجهتها. ... أرادت إسرائيل بعث رسالة واضحة إلى سورية وتركيا وإيران والعالم العربي، أي إلى دول الإقليم؛ أنها تعتبر سورية منطقة نفوذ لها، بل تريد أن تكون كل دول المحيط مناطق نفوذ مسلّم به لإسرائيل، فعينها ليس على الأراضي التي اجتاحتها منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، فهذه أراضٍ تحتلها وتريدها أن تكون مناطق مستباحة لجيشها ومخابراتها، ولا يُستبعد أن تنقل مستوطنين إليها بحجّة الحفاظ على أمن إسرائيل.

واضح أن الرؤية التي يعبّر عنها رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتانياهو تعتبر سورية بكاملها منطقة نفوذ إسرائيلية، بمعنى أن سورية ممنوعة من أي إجراءات أمنية أو عسكرية أو معاهدات تعتبرها إسرائيل، بمعاييرها المتغيرة أبداً، تهديداً أمنياً لها.

أن تعتبر إسرائيل استعراض تركيا طائرات عسكرية وزيارة وفد عسكري تركي لقاعدة سوريّة، وهو ما نفته أنقرة، استفزازاً يبرّر قصفها قاعدة في سورية، فهذا إعلان بأنها لا تعترف بسيادة سورية. فوفقاً للتصريحات الإسرائيلية، واضح أنها تريد أن ترسم خطوطاً حمراً لتشلّ أي محاولة جادة لإعادة بناء الجيش السوري ومنع سورية من الاحتماء بأي معاهدة دفاع، سواء مع أي دولة عربية أو تركيا. ولا يهمّ إسرائيل إذا كانت هذه الدول حليفة لها أو ترتبط بعلاقات ومعاهدات معها، لأنها انتقلت إلى مرحلة فرض النفوذ والوصاية على جيرانها، ولا تثق بحليف أو بأي طرف في المنطقة. فالمطلوب من الجميع الرضوخ للهيمنة الإسرائيلية المباشرة من حيث احتلال أرض في دول الجوار، وغير مباشرة من خلال التهديد باستعمال القوة العسكرية، التي تعتبرها أداة تحذير وإخضاع واحتلال حين يستوجب ذلك، ووفقاً لخرائط ترسمها هي.

لا تخاف إسرائيل من جماعات مسلحة تهاجمها كما تدّعي بقدر رفضها نفوذ أي دول أخرى في المنطقة، فهي تعتقد أنها، بعد "تركيع إيران" وهزيمتها وتدمير قوتها، يجب أن تمنع أي قوة إقليمية من ملء الفراغ، فقد استفزتها اتفاقية مكة الدفاعية بين تركيا والسعودية وباكستان، لأن أي تجمع أمني إقليمي ليس تحت قيادتها ونفوذها غير مقبول.

أوضحت في مقالي في "العربي الجديد" (16/08/2026) أن اتفاقية مكة تُحدث خلخلة في النظام الأمني الأميركي الإقليمي، ولكنها لا تتحدّى الترتيبات الأمنية؛ النظام الأمني الجديد الذي تفرضه إسرائيل في المنطقة من خلال التمدد، واحتلال أراضٍ لبنانية وسورية، وإنشاء مناطق أمنية عازلة هي بمثابة قواعد إسرائيلية وممتدة.

صحيحٌ أن اتفاقية مكة، التي تتعهد بحماية أي من دول أعضائها، لم تشر بوضوح إلى من تحمي ومٍمن؟ وماذا يعني هذا لغزة وباقي فلسطين ولبنان وسورية وأي دولة معرضة أو تواجه عدواناً إسرائيلياً مستمراً ومستقبلياً. فإذا كان هدف اتفاقية مكة أن تتولى هذه الدول حماية دول الخليج والمشرق من إيران، بدلاً من الاعتماد على الحماية الأميركية، فهي تترك التهديد الاستراتيجي الحقيقي لدول المنطقة، أي إسرائيل، حرة طليقة. غير أن إسرائيل لم ترَ الاتفاقية مجرّد محاولة لتشكيل حماية للدول الأعضاء من إيران، إذ تعتبر أي اتفاقية دفاعية خطراً عليها، فهي ترى فيها محاولة تركية لفرض تركيا نفسها قوة إقليمية تنافسها، وليس بالضرورة تحاول الصدام معها. لكن هذا أيضاً مرفوض إسرائيلياً، فهي أكدت قولاً وفعلاً أنها لا تقبل بقوة أو تجمّع قوة إقليمية في المنطقة، وهذا ما يثبته العدوان أخيراً على سورية، إذ إن كل الدول المجاورة مناطق نفوذ تابعة لها في المخيلة الإسرائيلية، وهي ليست محض خيال، بل رؤية بدأت إسرائيل تنفيذها.


من الضروري الإشارة هنا إلى أن فكرة بناء جيوش عربية وطنية، تعتبرها إسرائيل خطراً عليها، إذ خلال مفاوضات واشنطن بين الوفود العربية وإسرائيل بين عامي 1991و1993، كان المفاوضون الإسرائيليون يتحدّثون بصراحة عن أن أي اتفاقية دائمة مع سورية، يجب أن تتضمن التزاماً بإعادة تشكيل الجيش السوري عقيدةً، وهنا كان يقصدون ويشرحون بصراحة اعتبار سورية ملتزمة القضايا العربية، وبخاصة القضية الفلسطينية. ولكن النقاش في تلك السنوات، لمن تابع المحادثات من كثب، هو في الحقيقة تجريد أي جيش عربي في أي دولة مجاورة من فكرة الدفاع عن دولته والتفكير بردع التهديدات الإسرائيلية. فلو أخذنا مصر مثالاً، منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد، حُيِّد جيشها عن الصراع العربي الإسرائيلي، ولا تستطيع مصر الدفاع عن نفسها حتى حين تهدّد إجراءات إسرائيل بقطع الغاز عنها أو احتلال معبر رفح ومحور صلاح الدين (فيلادلفي).

لا أتحدث عنها عن دخول الجيش المصري في حرب مع إسرائيل، لكن مصر أصبحت مقيدة، لأن "السلام" من جانب واحد. وكذلك الوضع مع الأردن، فيما نرى الهجمة الاستيطانية الإحلالية في الضفة الغربية تهدّد بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن، فأي تحرك أردني ستعتبره إسرائيل تهديداً لها. ففي الرؤية الصهيونية الحل بتدمير الجيوش العربية أو شلّ حركتها، لأن أي تحرك ستعدّه إسرائيل "عدواناً عليها". لكن الوضع تغيّر، لأن إسرائيل لم تعد تؤمن باتفاقيات "سلام" وحتى "تطبيع" العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية المحيطة، إذ إنها ترى أن هناك خطراً عليها حتى لو التزمت الدول المعنية، وهنا نتحدّث عن الأردن ومصر، إذ لم تغير الاتفاقيات المشاعر الشعبية ضد إسرائيل، فالاتفاقيات لم تغيّر إسرائيل من عدو الى صديق، وإسرائيل لا تهتم بأن تعتبرها الشعوب المجاورة صديقة، بل أن تكون خاضعة وخنوعة، وأن لا تهتم بذبح الشعب الفلسطيني أو بحرب إبادة أو بطرد شعب من وطنه.

نسمع أصواتاً سورية وعربية تلوم الدولة السورية على استفزاز إسرائيل، وأن لا سبيل إلا الخضوع

ليس ما تقدّم السبب الوحيد في تغير النظرة الإسرائيلية، لكنه عامل مهم. في هذه الحال، فرض الوصاية من دون احتفالات السلام المزيّفة من خلال التمدّد والقصف والدمار كما هو في لبنان، وزرع الخوف والاحتلال المباشر كما يحدث في سورية، نسمع أصواتاً سورية وعربية تلوم الدولة السورية على استفزاز إسرائيل، وأن لا سبيل إلا الخضوع.

لم تلق سورية تضامناً عربياً حقيقياً، فقوى كثيرة تدفع إلى الخضوع، لكن الغريب تصريحات المسؤولين السوريين، فوزير الخارجية، أسعد الشيباني، يتحدث بثقة أن إسرائيل استفزّت "حلفاء سورية بما في ذلك أميركا"، وكأن الأخيرة ستحمي سورية. قد يكون قصده أن بلاده ليست معزولة دولياً ولديها "أصدقاء" في واشنطن والغرب، ولا يرى أن هؤلاء الأصدقاء المفترضين ليسوا على استعداد للتحرّك لحماية سورية من إسرائيل. ... وللحق، تصريحات المسؤولين السوريين، الذين يعيشون وهم الأصدقاء في واشنطن والغرب لا تختلف كثيراً عن تصريحات مسؤولين عربٍ أكثر حنكة منهم، فالكل يستنجد بأميركا.

السكوت عن وقاحة تعامل إسرائيل مع سورية منطقة نفوذ لها غير مقبول ومدان، لكن إنّ من سكت عن حرب الإبادة يضحّي بالجميع.

*العربي الجديد