خبراء: الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد الإعلام… والدقة تتفوق على سرعة النشر في معركة المصداقية

ناقش متحدثون وخبراء إعلاميون، خلال جلسة بعنوان حدود الخصوصيّة والتميّز وتشابك الرسالة والأدوات والجمهور، التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام في ظل توسع منصات التواصل الاجتماعي وصعود أدوات الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه هذه التحولات من تحديات تتعلق بالمصداقية والتحقق من المعلومات وبناء ثقة الجمهور.

في هذا السياق، شددت نائب رئيس شبكة CNN كارولين فرج على أنَّ عملية اتخاذ القرار داخل غرف الأخبار لم تعد مرتبطة فقط بسرعة الوصول إلى الحدث، بل بمدى أهمية الخبر للإنسان والحقيقة، لافتةً إلى أنَّ التدفق الهائل للمعلومات يفرض رفع جاهزية الفرق الصحفية وتعزيز قدراتها على التحقق والتعامل مع الأخبار المضللة، في ظل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

وأشارت إلى أنَّ الجمهور بات يصل إلى الأخبار بشكل أساسي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأنَّ الصفحة الأولى لم تعد عنصر الجذب كما في السابق، خاصة في المجتمعات الشبابية التي تتابع ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي أولًا، مؤكدةً أنَّ جميع المؤسسات الإعلامية باتت في حالة تنافس مباشر على الجمهور، وأضافت أنَّ الساحة الإعلامية لم تعد حكرًا على الصحفيين فقط، بل باتت مفتوحة أمام أي شخص يمتلك هاتفًا قادرًا على النشر والتأثير.

وفي سياق الحديث عن المسؤولية المهنية، شددت فرج على أنَّ الخطأ الإعلامي لم يعد يُنسى بسهولة، إذ يتذكر الجمهور الأخطاء أكثر من الإيجابيات، ما يجعل الدقة أولوية مطلقة تفوق السرعة في نقل الخبر، مؤكدةً أنَّ الرهان على الشباب مهم لأنهم يدفعون المؤسسات الإعلامية لتطوير نفسها باستمرار. 

كما أشارت إلى أنَّ أول من بدأ التفاعل المؤسسي العربي مع منصات التواصل الاجتماعي كان وزير الخارجية الأردنيّ الأسبق ناصر جودة، في خطوة مبكرة لفهم التحول الرقمي. من جانبه، أوضح الإعلامي في قناة المملكة عبدالله الكفاوين أنَّ التعامل مع الإعلام الحديث بدأ فعليًا في الأردن منذ عام 2015 عبر مبادرات ركّزت على التربية الإعلامية والمعلوماتية، وصولًا إلى تطوير استراتيجيات وطنية بالشراكة مع الحكومة لتعزيز الدراية الإعلامية وتمكين الجمهور من التعامل الواعي مع المعلومات.

وأضاف أنَّ الرهان يجب أن يكون على وعي الناس بدلًا من محاولة ضبط وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنَّ الدراية الإعلامية والمعلوماتية يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من الثقافة اليومية داخل كل بيت، لافتًا إلى أنَّ أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تُخصص المحتوى لكل مستخدم وفق اهتماماته، ما يزيد من أهمية الوعي النقدي في التعامل مع المعلومات. بدورها، أكدت المستشارة الاستراتيجيّة بتطوير المؤسسات الإعلاميّة دانة الصياغ أنَّ الجمهور لا يزال يتجه إلى التلفزيون في أوقات الأزمات بسبب الثقل التاريخي والثقة المرتبطة به، إلا أنَّ التحول الحقيقي يفرض على المؤسسات الإعلامية التوجه نحو الجمهور الموجود على منصات التواصل الاجتماعي.

وأوضحت أنَّ أي استراتيجية إعلامية يجب أن تبدأ من أسئلة أساسية تتعلق بالجمهور؛ من هو؟ أين يوجد؟ وأي لغة يجب مخاطبته بها؟ مشيرةً إلى أنَّ التمويل في بعض الحالات قد يؤثر على استقلالية القرار التحريري، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام المؤسسات الإعلامية في الحفاظ على مهنيّتها. أما المنتج الإخباري في ABC News ناصر عطا فأكد أنَّ الوصول إلى الجيل الجديد يتطلب دخول المنصات التي يستخدمها بشكل يومي، مشيرًا إلى أنَّ هذا الجيل لم يعد يعتمد على قراءة الأخبار التقليدية، بل يستهلك المحتوى بشكل أساسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل هذه المنصات محورًا رئيسيًا في مستقبل الصناعة الإخبارية.

واتفق المتحدثون في ختام الجلسة على أنَّ التحول الرقمي لم يعد خيارًا بل واقعًا مفروضًا، وأنَّ التحدي الأكبر أمام الإعلام اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين السرعة والدقة، وبين الوصول للجمهور والحفاظ على المصداقية، في بيئة إعلامية تتغير جذريًا في أدواتها ورسالتها وعلاقتها بالجمهور.