السياحة في الجنوب تحت ضغط الأزمات.. تراجع الزوار يهدد فرص العمل ويدفع نحو تنويع الاقتصاد المحلي

في محافظات الجنوب الأردني، حيث تشكل السياحة شرياناً اقتصادياً رئيسياً لآلاف الأسر، لم يعد انخفاض أعداد الزوار مجرد تراجع في مؤشرات القطاع، بل تحول إلى أزمة تمس فرص العمل ومصادر الدخل اليومية للعاملين في الفنادق والمطاعم والمحال التجارية والحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة.

من البتراء ووادي موسى إلى معان والشوبك ووادي رم، انعكس الركود السياحي على تفاصيل الحياة اليومية، في وقت يواجه فيه الشباب تحديات متزايدة للحصول على فرص عمل مستقرة في قطاع يرتبط بشكل كبير بالمواسم وحركة السياح القادمين من الخارج.

وخلال حلقة من برنامج "صوت شبابي" على راديو البلد، ناقش مختصون وشباب وأصحاب مشاريع أثر تراجع الحركة السياحية على الاقتصاد المحلي، والحاجة إلى بناء نموذج سياحي أكثر استدامة لا يعتمد فقط على المواسم أو السياحة الوافدة.

السياحة مصدر رزق لآلاف الأسر

قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض إن القطاع السياحي يعد من القطاعات الحيوية في الاقتصاد الأردني، ليس فقط بسبب مساهمته في الإيرادات، وإنما بسبب قدرته الكبيرة على توفير فرص العمل، خصوصاً في المناطق التي تضم مواقع سياحية رئيسية.

وأوضح أن القطاع السياحي في الأردن شهد نمواً خلال السنوات الماضية، حيث بلغ عدد العاملين فيه بشكل منظم نحو 60 ألف عامل بنهاية العام الماضي، إضافة إلى آلاف العاملين بشكل غير منظم في المهن والخدمات المرتبطة بالسياحة.

وأشار عوض إلى أن التحديات التي يواجهها القطاع حالياً مرتبطة بشكل أساسي بالتراجع الكبير في أعداد السياح، مؤكداً أن تأثير الأزمة لا يتوقف عند العاملين داخل المنشآت السياحية، بل يمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بها.

وقال إن نسبة كبيرة من العاملين في السياحة هم من فئة الشباب، وإن انخفاض أعداد الزوار يؤدي إلى تقليص فرص العمل المتاحة، وخفض ساعات العمل والأجور، إضافة إلى فقدان بعض الوظائف وإغلاق عدد من المنشآت.

وأضاف أن التأثير لا يطال الفنادق والمطاعم فقط، بل يشمل الحرفيين والتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمد دخلهم على حركة الزوار.

البتراء الأكثر تأثراً بسبب اعتمادها على السائح الدولي

وبيّن عوض أن مناطق الجنوب، وخصوصاً البتراء ووادي موسى، تعد من أكثر المناطق تأثراً بسبب اعتمادها الكبير على السياحة الدولية.

وأوضح أن السياحة في البتراء تختلف عن مناطق أخرى مثل العقبة أو وادي رم، إذ تعتمد بشكل أكبر على الزائر القادم من أوروبا وأمريكا وآسيا، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه أي اضطرابات إقليمية تؤثر على حركة الطيران وقرارات السفر.

وأضاف أن الأحداث السياسية في المنطقة، بما فيها الحروب والتوترات الإقليمية، تؤثر على صورة الشرق الأوسط لدى السياح الأجانب، الذين غالباً ما يتخذون قرار الابتعاد عن المنطقة بشكل عام عند وقوع أزمات، حتى لو كانت بعض الدول، ومنها الأردن، تتمتع بالأمن والاستقرار.

الشباب يبحثون عن بدائل خارج السياحة

في لواء البتراء، تحدث شباب المنطقة عن التغيرات التي فرضها تراجع القطاع السياحي، مؤكدين أن الاعتماد الكامل على السياحة لم يعد كافياً لتوفير الاستقرار الذي يبحث عنه الشباب.

وقالت الشابة ماريا، وهي من أبناء لواء البتراء، إن تجربة الاعتماد على السياحة الموسمية دفعتها إلى التفكير في مسارات أخرى، فأسست فريق "سقف العطاء" كمبادرة تطوعية تجمع الشباب وتوفر لهم مساحة للمشاركة في الأنشطة المجتمعية والبيئية والسياحية.

وأكدت أن السياحة يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للتنمية عندما يصبح أبناء المنطقة شركاء في تطويرها، وليسوا فقط عاملين في وظائف مرتبطة بالمواسم.

بدوره، قال الشاب حسني معيوف إن وعي الشباب تجاه أهمية القطاع السياحي ارتفع خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع إدراكهم لتأثير الأزمات الإقليمية على السياحة في الأردن والبتراء.

وأوضح أن العديد من الشباب بدأوا يبحثون عن مجالات أخرى تكون رديفاً للعمل السياحي، بسبب عدم استقرار هذا القطاع.

برامج لتمكين الشباب وبناء مهارات جديدة

وقالت مفوض التنمية المستدامة في إقليم البتراء فاطمة الهلالات إن السلطة تعمل على دعم الشباب عبر برامج تهدف إلى بناء القدرات وتنمية المهارات، بما يساعدهم على إيجاد فرص عمل جديدة.

وأشارت إلى تنفيذ برامج تدريبية متعددة، من بينها برنامج اللغة الإنجليزية بالتعاون مع السفارة الأمريكية، والذي يشمل تدريباً نظرياً وعملياً داخل الفنادق والقطاع السياحي، بهدف تأهيل الشباب للعمل مع السياح.

وأضافت أن البرامج تشمل أيضاً التدريب على التصوير الفوتوغرافي والمونتاج والمهارات الإبداعية وريادة الأعمال، مؤكدة أن الهدف لا يقتصر على التدريب فقط، بل متابعة الشباب ومساعدتهم في تحويل مهاراتهم إلى مشاريع وفرص اقتصادية.

دعوات لحماية العاملين في القطاع السياحي

وأكد أحمد عوض ضرورة توفير حماية اجتماعية أكبر للعاملين في القطاع السياحي، مشيراً إلى أهمية شمول جميع العاملين في منظومة الضمان الاجتماعي حتى يتمكنوا من الاستفادة من تأمين بدل التعطل خلال فترات الأزمات.

وقال إن الحكومات في مختلف دول العالم تقدم دعماً للقطاعات التي تتضرر بسبب الأزمات والكوارث، لأن الحفاظ على المنشآت والعاملين فيها يساعد القطاع على التعافي عندما تعود الظروف الطبيعية.

وأضاف أن المطلوب توفير دعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والعاملين بشكل فردي، بهدف الحفاظ على استمرار القطاع وعدم فقدان الخبرات والكفاءات الموجودة فيه.

أصحاب المنشآت: لا نطلب امتيازات بل القدرة على الاستمرار

وفي البتراء، قال صاحب منشأة سياحية محمد النوافلة إن العاملين في القطاع لا يطالبون بامتيازات، وإنما بالدعم الذي يساعدهم على تجاوز الأزمة والاستمرار.

وأوضح أن المنشآت السياحية ليست مجرد استثمارات خاصة، بل مصدر رزق لآلاف العائلات، مشيراً إلى أن توقف فندق أو منشأة لا يؤثر فقط على المالك، بل يمتد إلى الموظف والسائق والمرشد السياحي والمطعم والمحال التجارية.

وأضاف أن الدعم المالي المناسب لم يصل حتى الآن إلى مستوى حجم الأزمة التي يواجهها القطاع.

السلطة تعمل على تخفيف الاعتماد الكامل على السياحة

من جهته، أكد رئيس سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي المهندس عدنان السواعير أن الجميع يدرك خصوصية البتراء واعتماد سكانها الكبير على السياحة الوافدة.

وقال إن تراجع أعداد السياح جاء نتيجة الظروف الجيوسياسية في المنطقة، إضافة إلى انخفاض حركة الطيران خلال الفترة الماضية.

وأوضح أن السلطة تحركت للتخفيف من آثار الأزمة، من خلال التواصل مع البنك المركزي ومديرية التشغيل والضمان الاجتماعي وشركة الكهرباء لبحث إجراءات تساعد القطاع السياحي.

وأشار إلى أن العمل لا يقتصر على دعم السياحة، بل يشمل التوجه نحو قطاعات اقتصادية أخرى، من بينها إنشاء مدينة للصناعات الخفيفة، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية، بهدف تقليل الاعتماد الكامل على السياحة كمصدر وحيد للدخل.

انخفاض السياحة يضرب القدرة الشرائية في المجتمع

وقال الخبير الأكاديمي في جامعة الحسين بن طلال محمد الفلحات إن تراجع النشاط السياحي أدى إلى انخفاض واضح في القدرة الشرائية داخل المجتمع المحلي.

وأوضح أن ضعف الحركة الاقتصادية قد يؤدي إلى تخلي بعض المحال التجارية عن العاملين لديها، وصولاً إلى الإغلاق الجزئي أو الكلي بسبب تراكم الالتزامات والخسائر.

وأضاف أن استمرار التراجع يهدد دورة اقتصادية كاملة تعتمد على إنفاق الزوار وحركة الأسواق المحلية.

الحرف اليدوية تواجه التحدي وتحاول الحفاظ على التراث

ولا يقتصر أثر تراجع السياحة على الفنادق والمنشآت فقط، إذ تأثرت أيضاً الحرف اليدوية والمشاريع الصغيرة التي تشكل جزءاً من هوية الجنوب الثقافية.

في مدينة معان، يعمل مركز حرفيون معان على إحياء الحرف التقليدية وتطويرها من خلال تدريب الشباب وتمكينهم من إنتاج أعمال مستوحاة من التراث المحلي.

وقالت الحرفية رندا جعفر إن تصميم الثوب المعاني يمثل بالنسبة لها أكثر من مجرد منتج، فهو وسيلة للحفاظ على هوية المدينة ونقل إرثها للأجيال القادمة.

وأوضحت أنها تعمل على تطوير تصاميم تجمع بين الماضي والحاضر، إلى جانب إنتاج المطرزات والميداليات المصنوعة يدوياً والحقائب الصغيرة التي تستهدف الزوار الباحثين عن قطع تحمل قصة المكان.

بدورها، تحدثت الحرفية ليلى الطحان عن مشروعها في إنتاج الكريمات الطبيعية ومنتجات إعادة التدوير، مؤكدة أن هذه المشاريع توفر فرصاً للنساء وتجمع بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة.

وطالبت بزيادة الدعم والتسويق وإقامة المزيد من البازارات والمعارض، حتى تتمكن المشاريع الصغيرة من الوصول إلى الزبائن والاستمرار.

السياحة الأردنية تحتاج إلى خطة متكاملة للعودة

وقال الناطق الإعلامي باسم جمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية نضال بني عيسى إن القطاع السياحي مر بظروف صعبة خلال السنوات الأخيرة، بدأت من تداعيات جائحة كورونا وصولاً إلى الأزمات الإقليمية الحالية.

وأوضح أن مشكلة البتراء تكمن في اعتمادها الكبير على السائح الدولي، بخلاف مناطق أخرى لديها تنوع أكبر في مصادر السياحة.

وأشار إلى أن المشكلة ليست في المنتج السياحي الأردني، إذ يمتلك الأردن مقومات كبيرة تشمل البتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش ومادبا، إضافة إلى الأمن والاستقرار وكرم الضيافة، وإنما المشكلة مرتبطة بصورة المنطقة لدى الأسواق الخارجية.

وأكد أن استعادة السياحة تحتاج إلى خطة متكاملة تشمل التسويق، وتعزيز الرسائل التي تطمئن السياح، والتواصل المباشر مع منظمي الرحلات العالميين.

كما دعا إلى دعم النقل الجوي وتطوير الربط مع الأسواق القريبة، مشيراً إلى أهمية البحث عن بدائل مثل جذب السياح الموجودين في دول قريبة يمكن الوصول منها عبر العقبة.

التراث كفرصة اقتصادية جديدة

وفي الشوبك، يقدم مشروع "بيت جدي رباح" نموذجاً آخر لمحاولات تحويل التراث إلى فرصة اقتصادية.

فقد عمل محمد الرواشدة على ترميم بيت عائلته القديم وتحويله إلى مشروع سياحي يعرض حياة الأجداد وأدواتهم القديمة، بهدف جذب الزوار وربط السياحة بالذاكرة المحلية.

وقال الرواشدة إن المشروع أنجز نحو 60% من فكرته، لكنه يحتاج إلى دعم لاستكماله، خصوصاً في ظل تراجع الحركة السياحية.

وأكد أن الهدف ليس فقط إنشاء موقع سياحي، بل إشراك أبناء المجتمع المحلي وأصحاب الحرف في مشروع يعيد الحياة إلى القرية ويقدم تجربة مختلفة للزوار.

ورغم التحديات التي يواجهها القطاع السياحي في الجنوب، تظهر التجارب المحلية أن المنطقة ما زالت تمتلك مقومات كبيرة للنهوض، لكن ذلك يتطلب تنويع مصادر الدخل، ودعم الشباب، وحماية العاملين، وربط السياحة بالتراث والمجتمع المحلي، حتى تصبح السياحة مصدر استقرار طويل الأمد لا يرتبط فقط بموسم أو ظرف عابر.