أرقام الحوادث تفكك الصورة النمطية خلف المقود، النساء أقل ارتكابا للحوادث (شاهد)

الشباب في صدارة السلوك الخطر

أعادت حلقة جديدة من برنامج "صوت شبابي" على راديو البلد فتح النقاش حول واحدة من أكثر الصور النمطية انتشارا في الشارع الأردني، وهي علاقة جنس السائق بمستوى الأمان على الطريق، في وقت تشير فيه بيانات عرضها مختصون خلال الحلقة إلى أن السائقات أقل تورطا في الحوادث مقارنة بالسائقين الذكور، وأن الفئة العمرية الشابة تبقى الأكثر حضورا في الحوادث والسلوكيات المرورية الخطرة.

الحلقة التي حملت عنوان "خلف المقود، الأرقام تكسر الصورة النمطية" وقدمتها الزميلة هديل الصعبي، لم تتعامل مع المسألة باعتبارها منافسة بين النساء والرجال، بل ناقشت سلوكا مروريا أوسع، يرتبط بالسرعة والتهور واستخدام الهاتف والتجاوز، والالتزام بقواعد الطريق، ومدى كفاية تدريب السائقين والرقابة المرورية في الحد من الحوادث.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار ملف السلامة المرورية كأحد التحديات اليومية في الأردن، إذ سجل عام 2025 نحو 187 ألفا و213 حادثا مروريا، بينها 11 ألفا و680 حادث إصابات ووفيات، أسفرت عن 510 وفيات و17 ألفا و146 إصابة. كما كانت الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاما صاحبة أكبر عدد من الإصابات البشرية بين الجنسين. 

النساء أقل تورطا في الحوادث

قال العميد المتقاعد أحمد الوراورة، المدير الأسبق للمعهد المروري الأردني، إن تحليل بيانات السائقين والحوادث يقدم صورة تختلف عن الانطباع السائد اجتماعيا حول قيادة النساء.

وأوضح، خلال حديثه لـ"صوت شبابي"، أن عدد السائقين الذكور المسجلين في الأردن يبلغ نحو 2.3 مليون سائق، يشكلون قرابة 72 بالمئة من إجمالي السائقين المسجلين، في حين تبلغ نسبة مشاركتهم في الحوادث نحو 77 بالمئة.

في المقابل، يبلغ عدد السائقات نحو 895 ألف سائقة، بما نسبته قرابة 28 بالمئة من إجمالي السائقين، بينما تبلغ نسبة مشاركتهن في الحوادث نحو 20 بالمئة.

واعتبر الوراورة أن هذه الأرقام تشكل مؤشرا واضحا على انخفاض تورط النساء في الحوادث مقارنة بالرجال، مع ضرورة قراءة الأرقام ضمن سياقها، وليس باعتبار الجنس وحده العامل الحاسم في السلامة المرورية.

وجاءت هذه المعطيات متوافقة مع دراسة عرضها تقرير الحلقة، حللت بيانات المعهد المروري الأردني خلال الفترة من 2015 إلى 2021، وخلصت إلى أن السائقات كن أقل تورطا في الحوادث التي تؤدي إلى إصابات بليغة أو وفيات مقارنة بالسائقين الذكور.

ورأى الوراورة أن أحد التفسيرات المحتملة لهذا الفارق يرتبط بدرجة الحذر، موضحا أن النساء عموما أكثر حرصا أثناء القيادة، وأقل ميلا إلى ارتكاب المخالفات المرورية، وهو ما ينعكس إيجابا على السلامة المرورية.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن زيادة الحذر بصورة مبالغ فيها قد تقود أحيانا إلى مواقف خطرة، في إشارة إلى أن الحذر وحده، عندما يتحول إلى تردد أو تصرف غير متوقع، لا يجعل القيادة آمنة بالضرورة.

صورة نمطية قديمة لا تسندها الأرقام

وبحسب الوراورة، فإن الصورة النمطية التي تصف المرأة بأنها أقل مهارة خلف المقود تعود، جزئيا، إلى فترة سبقت الانتشار الواسع لقيادة النساء في الأردن.

وقال إن هذه النظرة، التي تشكلت لدى بعض الأجيال منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم تعد تتفق مع الواقع الحالي، مؤكدا أن مهارات القيادة يمكن اكتسابها بالتدريب والممارسة، وأن النساء والرجال يتلقون أساسا التدريب على المهارات ذاتها.

وأضاف أن التزام المرأة بقواعد وأولويات المرور في كثير من الحالات يفوق التزام بعض السائقين الرجال، خاصة الشباب، داعيا إلى تصحيح المفهوم الذي يربط المهارة بالجرأة والسرعة.

وهنا تنتقل المشكلة من سؤال "من يقود أفضل؟" إلى سؤال مختلف، ما تعريف السائق الجيد أصلا؟

فبعض السلوكيات التي قد يصفها الناس بالمهارة، مثل السرعة العالية والمناورة والتجاوز الجريء، ليست في مفهوم السلامة المرورية مؤشرات على قيادة أفضل، بل قد تكون جزءا من سلوك يزيد احتمالات وقوع الحوادث.

القيادة الوقائية ليست خوفا

قسم الوراورة أنماط القيادة إلى القيادة الوقائية والقيادة الهجومية، موضحا أن ما يحتاج إليه السائق العادي هو القيادة الوقائية، التي تقوم على ترك مسافة أمان، والالتزام بالمسارب، واحترام السرعات والشواخص المرورية، وقراءة الطريق قبل اتخاذ القرار.

أما القيادة الهجومية، بحسب الورارة، فهي أسلوب خاص يستخدم في ظروف وعمليات محددة، مثل بعض حالات الطوارئ والمطاردات والمواكب، ويتطلب تدريبا متقدما ومهارات لا تتوافر لدى السائق العادي.

وحذر من أن تقليد المشاهد التي تظهر في الأفلام أو على مواقع التواصل، وتحويل الطريق العام إلى مساحة للاستعراض، يكشف فهما خاطئا لمفهوم المهارة.

وأكد أن السرعة أو القدرة على المناورة لا تجعل السائق أكثر احترافا، إذا كان لا يستطيع الالتزام بالقواعد أو توقع أخطاء الآخرين أو حماية مستخدمي الطريق.

ويظهر هذا الطرح في واقع الحوادث، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الشباب ما زالوا في صدارة الفئات المتضررة من الحوادث، حيث سجلت الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاما أكبر عدد من الإصابات بين الجنسين في بيانات عام 2025.

كما عرض الورارة أرقاما قال إنها تظهر ارتفاع تورط السائقين الشباب في الحوادث، مشيرا إلى أن الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاما تشكل نسبة كبيرة من السائقين المشتركين في الحوادث، رغم أن حضورها ضمن إجمالي السائقين لا يبرر وحده هذا المستوى من التورط.

ووفق البيانات التي عرضها خلال الحلقة، فإن السائقين الذين لا تتجاوز خبرتهم ثلاث سنوات، وعددهم نحو 225 ألف سائق، تسببوا في نحو 1249 حادث إصابات، بما يشكل نسبة مشاركة أعلى من نسبتهم في إجمالي السائقين.

الشباب والسلوك الاستعراضي

ناقشت الحلقة أيضا انتشار سلوكيات القيادة الاستعراضية والمتهورة، خاصة بين بعض الشباب، في وقت تواصل فيه الجهات الرسمية حملات توعوية ورقابية تستهدف الحد من هذه الممارسات.

وكانت مديرية الأمن العام قد أعلنت أخيرا تنفيذ حملة توعوية وإعلامية ورقابية للحد من السلوكيات الخطرة على الطرق، وفي مقدمتها القيادة المتهورة والاستعراضية والمسير في مواكب تعيق الحركة المرورية. 

ورأى الوراورة أن معالجة هذا النوع من السلوك لا يمكن أن تبدأ بالعقوبة فقط، بل يجب أن تبدأ من مرحلة التدريب وبناء شخصية السائق.

وقال إن المشكلة تظهر أحيانا في تحول تدريب القيادة إلى تدريب على اجتياز الامتحان فقط، إذ يتعلم بعض المتدربين كيف ينجحون في اختبار القيادة، ثم يتغير سلوكهم بعد الحصول على الرخصة.

ووصف ذلك بأنه نوع من "التمثيل" للحصول على الرخصة، إذ يظهر المتدرب خلال الفحص سلوكا منضبطا، ثم يتصرف على الطريق بصورة مختلفة تماما بعد انتهاء الامتحان.

وأكد أن السائق لا يمكن أن يكتسب سلوكا مروريا آمنا في أيام التدريب الأخيرة فقط، بل يحتاج إلى ثقافة مرورية تبدأ قبل الحصول على الرخصة وتستمر بعدها.

كما شدد على ضرورة تطوير تدريب مدربي القيادة أنفسهم، انطلاقا من أن المدرب غير المؤهل لا يستطيع إعداد سائق قادر على التعامل مع الطريق بصورة آمنة.

وتطرق إلى تحديات مرتبطة بتطور المركبات، خاصة مع الانتشار المتزايد للسيارات الكهربائية والهجينة، مشيرا إلى أن خصائص بعض هذه المركبات، مثل التسارع العالي، تفرض تحديث برامج التدريب لتتناسب مع طبيعة المركبات الجديدة.

الازدحام ليس عذرا للتهور

قال المهندس وفائي أمسيس، رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث السير، إن البنية التحتية والشواخص وعناصر السلامة المرورية عوامل مؤثرة في البيئة المرورية، لكنه أكد أن العبء الأكبر في وقوع الحوادث يقع على سلوك السائق.

وأشار أمسيس إلى أن السائق يمثل، وفق تقديره، العامل الأكبر في الحوادث، وأن الالتزام بقواعد وأولويات المرور يخفف من تأثير الازدحام والتحديات التي يواجهها السائقون على الطريق.

وقال إن السائق الواعي لا يستطيع دائما إزالة الازدحام، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يتعامل معه، من خلال التحلي بالصبر، وتجنب السرعة الزائدة، وعدم تحويل ضغط الوقت إلى سلوك خطير.

وأضاف أن السائق الماهر ليس فقط من يمتلك القدرة على تشغيل المركبة أو المناورة بها، بل من يستطيع التعامل مع الطريق والازدحام والظروف المختلفة دون تهور.

ودعا إلى منظومة متكاملة تبدأ بالطريق والهندسة المرورية، وتمر بالتوعية والتثقيف، ثم بتطبيق القانون وإنفاذه.

الطريق العام ليس ملكا لسائق واحد

ومن السلوكيات التي ناقشتها الحلقة، دخول التقاطعات رغم عدم وجود مساحة كافية للخروج منها، أو الوقوف وتعطيل المسرب، أو عدم استخدام الغماز، أو استخدام المنبه بطريقة عدوانية، أو قطع الطريق على الآخرين.

وقال الورارة إن هذه التفاصيل ليست مجرد مسألة "ذوق" أو أخلاق، بل يمكن أن تتحول إلى أسباب مباشرة للازدحام والحوادث.

وذكر مثالا على تعطيل مسرب واحد، موضحا أن توقف مركبة لمدة دقيقة يمكن أن يؤخر عددا كبيرا من المركبات التي تتحرك خلفها، بحسب الطاقة الاستيعابية للمسرب.

وأشار إلى أن الطريق العام يستخدمه الجميع، ولذلك فإن قرار السائق يجب أن يأخذ في الاعتبار حقوق الآخرين، بمن فيهم سيارات الإسعاف ومركبات الطوارئ والأشخاص الذين يرتبط وصولهم في الوقت المحدد بأعمال أو مواعيد أو التزامات مختلفة.

وقال إن فكرة القيادة بوصفها "فنا وذوقا وأخلاقا" ليست عبارة تجميلية، بل قاعدة عملية تعني احترام حق الآخرين في استخدام الطريق.

الهاتف والسرعة والتجاوز، ثلاثية الخطر

وأظهرت المقابلات الميدانية التي تضمنتها الحلقة أن عددا من المواطنين ينظرون إلى استخدام الهاتف أثناء القيادة باعتباره من أخطر السلوكيات على الطريق، إلى جانب السرعة الزائدة والتجاوزات الخطرة والعصبية.

وأشار بعضهم إلى أن اجتماع هذه السلوكيات قد يحول الخطأ البسيط إلى حادث، فالسرعة تقلل الوقت المتاح لاتخاذ القرار، واستخدام الهاتف يسحب الانتباه، والتجاوز الخاطئ يضع السائق في مواجهة مباشرة مع مستخدمي الطريق الآخرين.

كما اختلفت آراء المواطنين حول ما إذا كانت المشكلة الأساسية في ضعف المهارة أم ضعف الالتزام بالقانون.

لكن أمرا كان واضحا في معظم الإجابات، وهو أن الخبرة وحدها لا تكفي، وأن امتلاك القدرة على قيادة المركبة لا يعفي السائق من الالتزام بقواعد الطريق.

الكاميرات والرادارات، الرقابة أم تغيير السلوك؟

ناقشت الحلقة أيضا التوسع في استخدام أنظمة الرقابة الآلية والكاميرات في العاصمة عمان، وما إذا كانت هذه الأدوات تغير سلوك السائق فعليا، أم أنها تدفعه إلى الالتزام فقط في المنطقة التي يعرف فيها بوجود رادار أو كاميرا.

وكانت أمانة عمان الكبرى قد بدأت خلال عام 2026 تشغيل نظام جديد لرصد المخالفات في عدد من الشوارع الرئيسية، يركز على السرعة الزائدة وتجاوز الإشارة الحمراء وتغيير المسرب بشكل مفاجئ والوقوف على ممرات المشاة، ويشمل رادارات وكاميرات إشارات وكاميرات لحساب متوسط السرعة بين النقاط. وأكدت الأمانة أن اختيار المواقع جاء بناء على دراسات ميدانية للنقاط الأكثر عرضة للحوادث والازدحامات. 

وقال الورارة إن تقييم أثر الكاميرات يحتاج إلى مقارنة علمية بين وضع الحوادث والمخالفات قبل تركيبها وبعده، مشددا على أن الرقابة الآلية تكون أكثر فاعلية عندما توضع في مواقع تم اختيارها بناء على دراسة هندسية ومرورية.

كما دعا إلى الإعلان الواضح عن مواقع الرقابة وتوسيع معرفة السائقين بوجودها، باعتبار أن الهدف، في رأيه، يجب أن يكون دفع السائق إلى الالتزام، وليس مفاجأته بالمخالفة.

وتأتي هذه المناقشة بينما تواصل الجهات الرسمية التوسع في استخدام التكنولوجيا في إدارة المرور، مع إعلان إدارة السير أخيرا عن استخدام حلول جديدة في عمان، تشمل الإشارات الذكية في مواقع تشهد كثافات مرورية، إضافة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى في إدارة الحركة. 

كما تشير بيانات رسمية سابقة إلى أن استخدام الكاميرات الذكية ساهم في رفع الالتزام باستخدام حزام الأمان، وهو ما يدعم فكرة أن الرقابة الآلية يمكن أن تؤثر في السلوك عندما تكون جزءا من منظومة أوسع للسلامة المرورية. 

ثلاث أولويات للمشهد المروري

وعندما سئل الورارة عن أهم التغييرات المطلوبة خلال السنوات المقبلة، ركز على بناء منظومة متكاملة تبدأ بالبنية التحتية، ثم تطوير النقل العام، وبعد ذلك إعادة النظر في تدريب السائقين وبناء الثقافة المرورية، على أن تكون الرقابة والعقوبات جزءا من المنظومة لا بديلا عنها.

ودعا إلى توفير طرق مؤهلة ومزودة بشواخص وعلامات أرضية واضحة، إلى جانب تطوير النقل العام الجماعي لتخفيف عدد المركبات الخاصة على الطرق.

ثم يأتي، بحسب رؤيته، تدريب السائقين وزراعة ثقافة مرورية قائمة على المسؤولية، قبل الانتقال إلى الرقابة والعقوبات والرادارات.

وحذر من الاعتماد على الرقابة وحدها لتغيير السلوك، قائلا إن محاولة إصلاح سلوك مروري سيئ بعد وقوعه أصعب من بناء ثقافة تمنع حدوثه من الأساس.

وتتفق هذه الرؤية مع الدعوات الرسمية إلى التعامل مع السلامة المرورية باعتبارها ملفا متعدد الأطراف، إذ تشمل البنية التحتية، والتخطيط الحضري، والنقل العام، والتوعية، والرقابة، خصوصا مع استمرار الزيادة في أعداد المركبات والسائقين وتمركز معظم السكان داخل المدن.

خلف المقود، السلوك هو الفارق الحقيقي

 

تشير البيانات التي عرضت خلال الحلقة إلى أن السائقات أقل تورطا في الحوادث، خصوصا الحوادث الجسيمة، وأن ذلك يستحق قراءة اجتماعية ومرورية بعيدا عن السخرية والصور النمطية. لكنها لا تعني أن كل امرأة تقود بأمان، كما لا تعني أن كل رجل يقود بتهور.