مسلسل "بالحرام"… الإبداع خالصاً

في حين تشهد معظم المسلسلات العربية تراجعاً وضعفاً واستسهالاً وركاكةً وتكراراً ونمطية مخيّبة للأمل، تنهض الدراما اللبنانية في الموسم الرمضاني الحالي، وتثبت نفسها بقوة لاعباً أساسياً في السباق الدرامي المحموم، من خلال المسلسل المتميّز "بالحرام"، من إنتاج جمال سنان، وإخراج فيلمون أسمر، وكتابة فادي حسين وشادي كيوان. وقد تحرّرتْ تماماً من سطوة الدراما السورية التي هيمن مخرجوها وممثّلوها وكتّابها على المشهد الدرامي اللبناني طويلاً، وتواصل الشركة المنتجة (إيغل فيلمز) تقديم الأعمال الجادّة الهادفة الثقيلة العيار من حيث النصّ والإخراج والتصوير والتمثيل.
يمكن تصنيف العمل دراما اجتماعية إنسانية تتناول شخصيات مركّبة تعاني صراعات نفسية، وتعيش مآسي وأسراراً دفينةً تتكشّف تباعاً. غير أن العمل يعالج بجرأة وشجاعة ووضوح قضايا مسكوتاً عنها، ليس من السهل مقاربتها درامياً مثل استغلال الأطفال جنسياً، والاتجار بالبشر، وشبكات الدعارة التي تلتقط الصغيرات عاثرات الحظّ، الهاربات من أُسر مفكّكة، وتجنّدهن في ذلك الدرب المظلم، حيث يفقدن إنسانيتهن وكرامتهن ويتحولن إلى مجرّد بضاعة يجري تبادلها لصالح عصابات تقتات على عذاباتهن.
ضمّ العملُ نخبةً من مبدعي الشاشة اللبنانية، منهم الجميلة رندة كعدي في دور مختلف بعيداً عن دور الأم النمطي التي حُصرت به في أعمال سابقة، لتتألّق في دور "مارغو"، السكّيرة سليطة اللسان، رثة المظهر، قاسية الملامح، التي تُخفي رقّةً وحناناً بالغَين. تمكّنت كعدي بحضورها الكثيف وصدقها الفنّي، من إقناع المتلقّي بهذه الشخصية الحزينة المخذولة التي تواجه أحزانها بالسخرية.
كما أبدعت تقلا شمعون في دور "الفنّانة" مؤسّسة الفرقة المسرحية، في تقديم شخصية الفنّانة المرهفة التي فارقها الحبُّ وسخَّرت حياتها من أجل الفنّ، قبل أن يَدْهَمها مرض الزهايمر فتفقد مداركها بالتدريج، وتنسلّ ذاكرتها المحتشدة بالأحداث والمشاعر والصور، وتتحوّل إلى طفلة تائهة تمكّنت تقلا من تجسيدها بحِرفية عالية أبكت المتابعين.
ولم يختلف أداء ماغي بو غصن، من حيث البراعة وقوة الحضور، في شخصية "جود"، الطفلة المغتصَبة المثقلة بمشاعر القهر والغضب والانتهاك، المصمِّمة على الانتقام وحماية غيرها ممّا تعرّضت له من ذلّ وامتهان. المبدعة المظلومة دائماً إعلامياً لأنها زوجة المنتِج التي تلعب دور الشخصية المحورية، ما جعلها تتعرّض لتهمة الاستحواذ على النصّ وسرقة الكاميرا. وهي، في رأيي، رغم محورية دورها بريئةٌ من تلك التهمة، وسوف يلمس المتابع بسهولة عدالة توزيع الأدوار بين الممثّلين، إذ أخذ كلٌّ منهم حقّه ومساحته الخاصّة لاستخدام أدواته والتعبير عن موهبته.
والحقّ أن فريق العمل برمّته كان متمكّناً بارعاً مقنعاً، أمتع الجمهور بلوحة فسيفسائية متناغمة قادرة على توريط المشاهد في التشوّق لمتابعة الحكايات والتفاعل مع القضايا المطروحة التي تنطوي على جانب توعوي غير مباشر: مرض السرطان، ومعاناة المريض جسدياً ونفسياً، ودور الأهل في تخفيف آلامه، ومرض الزهايمر المُرعب بأعراضه ومراحله وكيفية التعاطي مع المصاب، وقضية الانتحار التي قد يقدم عليها مراهقون فقدوا القدرة على التعبير والتواصل مع الأهل لحلّ مشكلاتهم. كذلك تناول النصّ تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وسلّط الضوء على مخاطره وتأثيره السلبي في المراهقين على وجه الخصوص.
وقد أحسن المخرج باختياره منطقة شعبية في بيروت (فرن الشبّاك) نقطة انطلاق الأحداث من بيت بسيط حميم، جعل قاطنيه، أعضاء فرقة مسرحية، عائلةً حقيقيةً رغم غياب رابطة الدم. وتمكّن النصّ المتين المتقن، الممسوك بعناية، من تخفيف وطأة التراجيديا من خلال لقطات كوميدية خفيفة منسجمة كلّياً مع السياق، وليست مقحمةً عنوةً، كما يحدث في كثير من الأعمال. وتميّز النصّ كذلك بمقدار كبير من التشويق، جعل المتلقّي متلهّفاً (منتظراً) إلى أحداث الحلقة التالية، وجعل من مسلسل "بالحرام"، كما أرى، في مقدّمة السياق الدرامي.
تحية إلى فريق العمل الباهر... وأنتم تقدّمون الإبداع خالصاً لوجه الجمال، عوّضتم كثيراً من عثرات زملائكم.

  • العربي الجديد