هل تقف العقيدة الاستراتيجية لإسرائيل على أعتاب تحوّل؟

في عام 1923، صاغ زئيف جابوتنسكي، الأب الفكري للصهيونية التصحيحية، ما أصبح لاحقًا إحدى أكثر العقائد تأثيرًا في الفكر السياسي والاستراتيجي الإسرائيلي، وهي عقيدة “الجدار الحديدي”. ففي مقالته الشهيرة “الجدار الحديدي (نحن والعرب)”، جادل جابوتنسكي بأن إقامة دولة يهودية والحفاظ عليها لا يمكن أن يتحققا إلا عبر قوة عسكرية منيعة، أشبه بـ“جدار حديدي” قادر على إقناع الجيران المعادين بأن المقاومة بلا جدوى.

على مدى عقود، شكّلت هذه العقيدة أساس الثقافة الاستراتيجية في إسرائيل. فقد تُرجمت فكرة “الجدار الحديدي” إلى مجتمع منظّم حول الدفاع، وإلى وحدة داخلية في مواجهة التهديدات الخارجية، مع الحفاظ على تفوق عسكري ساحق. وعمليًا، تمثلت هذه المقاربة في حماية الدولة وتعزيز الردع في مواجهة الدول المجاورة، في حين تركز التوسع وترسيخ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي أساسًا في الأراضي الفلسطينية التي احتُلّت عام 1967. وكانت هذه الرؤية تستند إلى منطق يستحضر تجربة “الغيتو” اليهودي التاريخية بصيغة حديثة، حيث ارتبط البقاء بوجود أسوار قوية وتماسك داخلي وإرادة صلبة للدفاع عنها في مواجهة عداء خارجي مستمر.

غير أن الحروب التي تخوضها إسرائيل اليوم توحي بأن عقيدتها الاستراتيجية قد تكون في طور تحوّل عميق. فبينما كانت عقيدة “الجدار الحديدي” تقليديًا ذات طابع دفاعي أساسًا، تبدو العقيدة الناشئة اليوم أكثر ميلاً إلى الطابع الهجومي العابر للحدود، قائمًا على القدرة على إسقاط القوة العسكرية بعيدًا عن حدود إسرائيل. وفي الخطاب الاستراتيجي والعمليات العسكرية الإسرائيلية يتكرر اليوم الحديث عن “الذراع الطويلة” للدولة، أي قدرتها على ضرب أهداف بعيدة، واختراق أو السيطرة على أجواء دول ذات سيادة، وتنفيذ عمليات عسكرية عبر مساحات جغرافية واسعة تمتد من اليمن إلى إيران وما بعدها.

لطالما شكّلت القوة الجوية ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية. فمنذ عام 1967، اعتُبر التفوق الجوي أحد أعمدة العقيدة الأمنية لإسرائيل. وعلى مدى عقود، عملت الطائرات الإسرائيلية بحرية شبه كاملة في أجواء سوريا ولبنان، حيث ساعد القرب الجغرافي على ترسيخ الهيمنة العملياتية. غير أن التقييمات العسكرية الإسرائيلية تشير اليوم إلى أن الحفاظ على هذا التفوق بات أكثر تعقيدًا، مع انتشار أنظمة صاروخية متطورة، وطائرات مسيّرة، وشبكات دفاع جوي متكاملة لدى خصوم إقليميين، ما يفرض تحديات متزايدة على التوازن التقليدي.

نتيجة لذلك، أخذ يتبلور في إسرائيل نمط جديد من التفوق الجوي، لا يعتمد على الطائرات فحسب، بل على منظومات تكنولوجية متكاملة تجمع بين الاستخبارات الفورية، والقدرات السيبرانية، والأسلحة الدقيقة، وأنظمة اعتراض الصواريخ متعددة الطبقات، وشبكات قيادة وسيطرة مرنة. وبات الحفاظ على حرية العمليات يعتمد على دمج التكنولوجيا بالعقيدة العسكرية وبالقدرات الاستخباراتية، لا على السيطرة التقليدية على السماء وحدها. وتُظهر الحرب الحالية مع إيران هذا التحول بوضوح، إذ تعطي الأولوية لإقامة ما يشبه منطقة عازلة استراتيجية تمتد عمليًا إلى ما وراء الحدود المباشرة لإسرائيل. والهدف هنا ليس التوسع الإقليمي بالمعنى التقليدي، بل امتلاك القدرة على العمل العسكري عبر مسرح إقليمي واسع يشمل إيران وشبكات حلفائها في لبنان واليمن ومناطق أخرى.

تقدّم إسرائيل الحرب الحالية مع إيران بوصفها ضرورة استراتيجية لـ“استكمال عمل غير منجز”. وفي هذا الإطار، يتجاوز الهدف مجرد استعادة الردع أو مواجهة تهديدات آنية. إذ يرى قادة إسرائيليون ودوائر استراتيجية أن الحرب تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورة كبيرة، ولا سيما بنيتها الصاروخية وأنظمة القيادة والشبكات التي تدعم نفوذها الإقليمي. وبالتالي، لا يقتصر الهدف على تحقيق مكاسب تكتيكية في ساحة المعركة، بل يتعداه إلى تقويض البنية السياسية والعسكرية للخصوم بشكل منهجي، بما في ذلك منظومة النفوذ التي تمكّن إيران من إسقاط قوتها في المنطقة عبر حلفائها في لبنان واليمن والعراق وغيرها. وبهذا المعنى، تعكس الحملة تحوّلًا من استراتيجية تتمحور أساسًا حول الردع إلى عقيدة أوسع تسعى إلى إضعاف القدرة الاستراتيجية طويلة المدى لإيران وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

وقد فسّرت إسرائيل الضربات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج على أنها كشفت ثغرات مهمة في أنظمة الدفاع الجوي الإقليمية، مثل الضغط الكبير على قدرات الاعتراض، ونقص مخزونات الصواريخ، وصعوبة مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، فضلًا عن محدودية التنسيق بين الدول المجاورة. غير أن إبراز هذه “الثغرات” يبدو أيضًا جزءًا من سردية استراتيجية أوسع تروّج لها دوائر الأمن والدفاع في إسرائيل. فمن خلال تسليط الضوء على هذه نقاط الضعف، تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها كمزود محتمل لتقنيات الدفاع الجوي المتقدمة، وأنظمة الإنذار المبكر، والخبرة العملياتية، ما يوحي بأن الحديث عن “الهشاشة الإقليمية” قد يخدم كذلك استراتيجية تسويقية تهدف إلى توسيع الشراكات العسكرية والصادرات التكنولوجية الإسرائيلية إلى دول الخليج.

وقد رحّبت شركات التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية بالضربات الإيرانية على دول الخليج العربية، وأعربت صراحة عن حماسها لاحتمال تزويد المنطقة بحلول عسكرية متطورة. ووفقًا لموقع كالكاليست الاقتصادي الإسرائيلي في 5 مارس، قال مسؤول سابق رفيع في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فضّل عدم الكشف عن اسمه:
“يمكن بيع دول الخليج ليس فقط أنظمة دفاعية، بل أيضًا قدرات ردع، وأدوات إنذار مبكر لرصد عمليات الإطلاق، وتطوير عقائد دفاع مدني وملاجئ ومساحات محمية. هناك الكثير مما يمكن العمل عليه”.
وتعكس هذه التصريحات رؤية شركات إسرائيلية تعتبر التوترات الإقليمية الراهنة فرصة سوقية لتقديم حلول أمنية وعسكرية ومدنية في آن واحد.

من جهته، رأى الدكتور يوئيل جوزانسكي، الخبير في شؤون الخليج والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في مقال رأي نشره موقع واي نت في 5 مارس 2016، أن إسرائيل قد تتحول إلى ضامن أمني للمنطقة. واعتبر أن إسرائيل إذا تصرفت بحكمة وبقدر من السرية، يمكنها استغلال لحظات القلق لدى جيرانها لصياغة استراتيجية طويلة المدى تعيد تشكيل ميزان القوى والنفوذ في المنطقة.

لكن هذا الحماس المبكر في إسرائيل لا يعني أن الأمر محسوم. فدول الخليج لا تنتظر حماية خارجية. إذ تستثمر دول مثل السعودية بكثافة في صناعاتها الدفاعية الوطنية، وتبني شراكات عالمية متنوعة في إطار استراتيجية واعية لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي. كما تعكس سياساتها الخارجية المتطورة توجهًا نحو تعدد الشراكات، من خلال موازنة العلاقات مع القوى الكبرى عالميًا، بالتوازي مع تعزيز قدراتها التكنولوجية والعسكرية الوطنية. وتسعى السعودية، على وجه الخصوص، إلى موقع ريادي عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، مع دمجه في قطاعات متعددة تشمل الطاقة والرعاية الصحية والمدن الذكية، وكذلك في مجال الدفاع. وتندرج هذه الجهود ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الإقليمي والدور العالمي للمملكة، بما يرسخ سيادتها الوطنية ومكانتها القيادية في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية.

وللمرة الأولى، يبدو أن إسرائيل تصف هذه الحرب ليس فقط باعتبارها “ضرورة دفاعية”، بل كأداة لإعادة تشكيل نظام إقليمي جديد عبر القوة العسكرية، بدلًا من الرهانات السابقة على مشاريع اقتصادية وممرات تجارية إقليمية لم تحقق نجاحًا كبيرًا خلال السنوات الماضية. ويرى بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين أن ربط العمليات العسكرية بالمصالح الاقتصادية والأمنية الإقليمية، خاصة مع دول الخليج، قد يعزز التحالفات ويرفع مكانة إسرائيل ويفتح مساحات نفوذ لم تتمكن الدبلوماسية التقليدية أو اتفاقيات التطبيع من تحقيقها.

ما يميز هذه الحرب عن الحروب الإسرائيلية السابقة هو اتساع طموحها ونطاقها. فالعقيدة التقليدية للجدار الحديدي، التي تمحورت طويلًا حول الدفاع عن دولة محصنة، تبدو اليوم في طريقها للتحول نحو استراتيجية تقوم على التفوق التكنولوجي، وإسقاط القوة على مسافات بعيدة، وتعزيز النفوذ الإقليمي. وبذلك، فإن مقاربة إسرائيل للحرب والردع ولدورها في الشرق الأوسط تبدو في مرحلة إعادة تشكّل عميقة تعكس طموحًا لإعادة تعريف موقعها الاستراتيجي في المنطقة.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستعيد هذه الحرب صياغة العقيدة الاستراتيجية لإسرائيل بشكل جذري؟
ما يميّز هذا الصراع عن الحروب السابقة هو طموحه الواسع. فمقاربة “الجدار الحديدي” التي ركزت طويلًا على الدفاع عن دولة محصنة تبدو اليوم في طور التحول نحو استراتيجية قائمة على التفوق التكنولوجي وإسقاط القوة بعيدة المدى وتوسيع النفوذ الإقليمي. غير أن ما إذا كان هذا التحول سيتبلور في عقيدة جديدة ما يزال أمرًا غير محسوم، خصوصًا أن الدول العربية اليوم ليست كما كانت في عامي 1948 أو 1967، لا من حيث قدراتها العسكرية فحسب، بل أيضًا من حيث أدوارها الإقليمية والدولية في الحاضر والمستقبل.

د. رامي نصرالله
أستاذ مشارك (فخري) في وحدة تخطيط التنمية، كلية بارتليت، جامعة كوليدج لندن. ومؤسس ورئيس سابق للمركز الدولي للسلام والتعاون في القدس الشرقية.