من سيناريوهات الاجتياح إلى رهانات الاقتصاد, كيف قرأ كتّاب المقالات المشهد الإقليمي

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية، خصص عدد من أبرز كتاب المقالات في الصحافة الأردنية مساحات واسعة لتحليل المشهد الراهن، مقدمين قراءات معمقة تعكس حالة القلق والترقب، وفي الوقت ذاته تسلط الضوء على فرص كامنة داخل هذا الاضطراب. وقد تنوعت هذه الطروحات بين التحليل السياسي الحاد، والرؤية الاقتصادية الواقعية، وصولاً إلى البعد الإنساني والدور الأردني في الإقليم.

في الجانب السياسي، رسم الكاتب ماهر أبو طير صورة قاتمة لمستقبل المنطقة، محذراً من انزلاقها نحو سيناريوهات الاجتياح البري التي لم تعد مجرد تهديدات إعلامية، بل احتمالات واقعية تلوح في الأفق. وأشار إلى أن الحديث المتزايد عن عمليات برية محتملة، سواء في الخليج أو لبنان أو عبر الحدود العراقية، يعكس وصول الصراع إلى مرحلة معقدة لم تعد فيها الضربات الجوية كافية لحسم المواجهات. هذا التصعيد، وفق قراءته، لا يعبر فقط عن رغبة في الضغط، بل يكشف عن مأزق استراتيجي قد يدفع الأطراف المختلفة إلى خيارات أكثر كلفة وخطورة.

ويؤكد أبو طير أن الاجتياحات البرية، رغم فعاليتها العسكرية المحتملة، تحمل أثماناً سياسية وجيوسياسية باهظة، إذ قد تؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة، وإعادة رسم خرائط النفوذ، وفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد يصعب احتواؤها. كما أن هذه السيناريوهات تمثل انتهاكاً مباشراً لسيادة الدول، ما يهدد بإشعال حرب برية شاملة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، وتنقل المنطقة إلى مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار.

وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن التهديدات لم تعد مجرد رسائل ردع، بل تقترن بتحركات ميدانية فعلية، سواء من خلال حشود عسكرية أو استعدادات لوجستية، ما يعزز احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع. ومع تعدد السيناريوهات، من هدنة مؤقتة إلى استئناف المفاوضات أو حتى وقف مفاجئ للحرب، يبقى الاحتمال الأخطر، بحسب الطرح، هو انهيار هذه المسارات جميعها والانزلاق إلى مواجهة برية مفتوحة قد تدفع المنطقة إلى “ما بعد الحافة”.

في المقابل، تناول الكاتب سلامة الدرعاوي المشهد من زاوية اقتصادية، مقدماً قراءة أكثر توازناً تركز على الفرص التي قد تتيحها الأزمات. وأشار إلى أن الصناعة الوطنية الأردنية تقف اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث يمكنها تعزيز حضورها في السوق المحلي، مستفيدة من اضطراب سلاسل التوريد العالمية. واستعاد تجربة جائحة كورونا، حين تمكنت المنتجات المحلية من سد فجوات السوق وإثبات قدرتها على الاستمرار.

الدرعاوي استند إلى أرقام تعكس قوة القطاع الصناعي، موضحاً أن الصادرات الأردنية سجلت نمواً ملحوظاً خلال عام 2025، مدفوعة بشكل أساسي بالصادرات الصناعية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد التصديري. كما أشار إلى التوسع الجغرافي اللافت للصادرات الأردنية التي باتت تصل إلى عشرات الدول، ما يعكس قدرة الصناعة المحلية على التكيف مع التحديات والانفتاح على أسواق جديدة.

ورغم هذا الأداء الإيجابي، طرح تساؤلات حول مدى قدرة السوق المحلي على مواكبة هذا النجاح الخارجي، داعياً إلى تعزيز ثقة المستهلك بالمنتج الوطني، واستثمار السياسات الحكومية الداعمة لتسهيل سلاسل التوريد. واعتبر أن المرحلة الحالية قد تشكل فرصة حقيقية لإعادة توجيه البوصلة نحو دعم الصناعة المحلية، بما يعزز مناعة الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات.

أما على الصعيد الإنساني والسياسي، فقد ركز الكاتب حمادة فراعنة على الدور الأردني في دعم الشعب الفلسطيني، مسلطاً الضوء على المبادرات الإنسانية التي تعكس عمق العلاقة بين الجانبين. وأبرز مشاهد التضامن التي تجسدت في تنظيم فعاليات إنسانية داخل قطاع غزة، إلى جانب استقبال المصابين للعلاج في الأردن، في إطار موقف رسمي وشعبي متماسك.

فراعنة أشار إلى أن هذا الدور يتجاوز البعد الإغاثي، ليعكس موقفاً سياسياً ثابتاً يقوم على دعم حق الفلسطينيين في البقاء والصمود، في مواجهة محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض. كما حذر من أن التحولات الإقليمية، بما في ذلك التصعيد مع إيران، قد تُستخدم لتهميش القضية الفلسطينية، وهو ما يتطلب، بحسب طرحه، يقظة سياسية للحفاظ على مركزية هذا الملف.

وفي سياق متصل، تناول الكاتب سلطان الحطاب التحديات التي تواجهها شركة الملكية الأردنية في ظل الاضطرابات الإقليمية، مشيراً إلى أن قطاع الطيران يعد من أكثر القطاعات تأثراً بالأزمات. ورغم هذه الظروف، أبرز الحطاب مؤشرات التعافي التي حققتها الشركة خلال العام الماضي، قبل أن تعود التحديات لتفرض نفسها مع ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين وتراجع حركة السفر.

وأشار إلى أن الدعم الملكي والمتابعة المباشرة من القيادة يشكلان عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الشركة على الصمود، خاصة في ظل المنافسة العالمية والتحديات التشغيلية. كما لفت إلى أن استمرار الاستثمار في التكنولوجيا وتحسين الخدمات يمثلان ركيزة أساسية للحفاظ على موقع الشركة وتعزيز قدرتها على تجاوز المرحلة الحالية.

في المجمل، تعكس هذه المقالات حالة من التداخل بين القلق السياسي والطموح الاقتصادي، حيث تقف الأردن في قلب إقليم مضطرب، تحاول من خلاله موازنة التحديات مع الفرص. وبينما يحذر بعض الكتاب من سيناريوهات تصعيد خطيرة قد تعيد تشكيل المنطقة، يرى آخرون أن الأزمات ذاتها قد تفتح نوافذ جديدة لتعزيز الاعتماد على الذات، سواء اقتصادياً أو سياسياً. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على إدارة التوازن بين الصمود الداخلي والانخراط الواعي في محيط إقليمي شديد التقلب.