مشروع "ميفن": إعادة تعريف الحرب بين الخوارزمية والقرار البشري
لم يعد التحول في طبيعة الحروب مجرد تطور تدريجي في أدوات القتال، بل أصبح قفزة نوعية تعيد صياغة المفهوم ذاته للقوة. فمع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب العمليات العسكرية، لم تعد المعركة تُحسم فقط في الميدان، بل داخل مراكز البيانات، حيث تُعالج الخوارزميات ملايين الإشارات والصور لتنتج قراراً قد يساوي حياة أو موتاً خلال ثوانٍ. في هذا السياق، يبرز مشروع Project Maven كأحد أكثر المشاريع إثارة للجدل، ليس فقط بسبب قدراته التقنية، بل بسبب ما يمثله من تحول فلسفي في إدارة الحروب.
منذ نشأته داخل أروقة البنتاغون عام 2017، لم يكن الهدف من المشروع مجرد تحسين كفاءة التحليل الاستخباراتي، بل إعادة هندسة “سلسلة القتل” بالكامل. هذه السلسلة التي كانت تعتمد تقليدياً على تدرج بشري يبدأ بجمع المعلومات وينتهي باتخاذ القرار، أصبحت اليوم مختصرة إلى مسار شبه آلي، حيث تقوم الأنظمة بتحليل البيانات، تحديد الأهداف، اقتراح وسائل الضرب، بل وحتى تقييم النتائج بعد التنفيذ. هذا التحول لا يقلل فقط من الزمن اللازم لاتخاذ القرار، بل يغير طبيعة المسؤولية ذاتها، إذ يصبح القرار موزعاً بين الإنسان والآلة بشكل يصعب فصله.
في التجارب الميدانية الحديثة، التي يُعتقد أن بعضها جرى في بيئات شرق أوسطية شديدة التعقيد، ظهرت قدرة هذه الأنظمة على إنتاج كم هائل من الأهداف في زمن قياسي. الحديث هنا لم يعد عن مئات الأهداف خلال حملات عسكرية طويلة، بل عن آلاف الأهداف خلال أيام معدودة، ما يعكس انتقالاً من “الحرب المدروسة” إلى “الحرب المتدفقة”، حيث يصبح تدفق البيانات هو العامل الحاسم، لا التخطيط البشري التقليدي. هذا النمط الجديد يفرض إيقاعاً سريعاً إلى درجة أن الإنسان، حتى لو بقي في الحلقة، لم يعد قادراً على المراجعة الفعلية، بل يكتفي بالمصادقة الشكلية.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند الدور المتنامي للشركات التكنولوجية الخاصة، وفي مقدمتها Palantir Technologies، التي طورت بنية تحليل البيانات التي يعتمد عليها المشروع. هذه الشركات لم تعد مجرد متعهدين تقنيين، بل شركاء فعليون في صياغة القرار العسكري. ومع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تطورها شركات مثل Anthropic، يصبح المشهد أكثر تعقيداً، حيث تتداخل قدرات التحليل اللغوي والفهم السياقي مع أنظمة الاستهداف، ما يفتح الباب أمام مستوى غير مسبوق من “الذكاء القتالي”.
غير أن هذه القفزة التقنية تحمل في طياتها مخاطر عميقة، أبرزها مسألة الخطأ. فالخوارزميات، رغم دقتها، تعتمد في النهاية على بيانات قد تكون ناقصة أو قديمة أو منحازة. وفي بيئة قتالية، لا يعني الخطأ مجرد خلل تقني، بل كارثة إنسانية. المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الخطأ، بل في سرعة اتخاذ القرار التي لا تترك مجالاً للتدقيق أو التصحيح. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن تحميل آلة مسؤولية أخلاقية؟ أم أن المسؤولية ستظل ضائعة بين المبرمج والقائد العسكري؟
هذا التحول ينعكس أيضاً على العقيدة العسكرية للدول الكبرى. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تعد ترى في هذه الأنظمة مجرد أدوات لتحسين الأداء، بل جزءاً أساسياً من استعدادها لمواجهة قوى كبرى مثل الصين. في هذا السياق، يجري تطوير مفاهيم جديدة تعتمد على “الاستقلالية القتالية”، حيث تستطيع الأنظمة، بما في ذلك الطائرات المسيرة، تنفيذ مهامها حتى في حال انقطاع الاتصال بالبشر. هذا السيناريو، الذي كان يُعد خيالاً علمياً قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم محوراً للتخطيط العسكري الفعلي.
أما على المستوى الدولي، فإن هذا التطور يفتح سباقاً جديداً لا يقل خطورة عن سباقات التسلح التقليدية. الدول التي تمتلك القدرة على تطوير هذه الأنظمة ستتمتع بتفوق نوعي، ليس فقط في القوة النارية، بل في سرعة اتخاذ القرار، وهو ما قد يغير موازين القوى بشكل جذري. في المقابل، تجد الدول الأقل تقدماً نفسها أمام تحدٍ مزدوج: كيف تحمي نفسها من هذه التقنيات، وكيف تمنع استخدامها ضدها في غياب قواعد دولية واضحة.
وسط هذا المشهد، تبرز محاولات دولية للحد من هذا الانفلات، مثل المبادرات التي تدعو إلى حظر “الأسلحة ذاتية التشغيل”. غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع سياسي معقد، حيث ترى القوى الكبرى في هذه التقنيات أداة حاسمة للحفاظ على تفوقها، ما يجعل التوصل إلى اتفاقيات ملزمة أمراً بالغ الصعوبة.
في النهاية، لا يتعلق مشروع ميفن بالتكنولوجيا فقط، بل بمستقبل الحرب ذاتها. نحن أمام مرحلة تنتقل فيها الحروب من كونها قرارات بشرية تُنفذ بأدوات تقنية، إلى عمليات تُدار خوارزمياً ويُصادق عليها البشر. هذا التحول يطرح سؤالاً عميقاً يتجاوز السياسة والعسكر: ماذا يحدث عندما تصبح السرعة أهم من الحكمة، والدقة أهم من الإنسانية؟ في هذا العالم الجديد، قد لا يكون الخطر في قوة السلاح، بل في غياب التردد قبل استخدامه.











































