مركز الفينيق: ربط تصريح العمل بالإقامة يفاقم هشاشة العمال المهاجرين ويزيد مخاطر الاستغلال

حذّر مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية من الآثار المترتبة على ربط تصريح العمل بإذن الإقامة للعمال المهاجرين في الأردن، معتبراً أن هذا الترابط يضع العامل في حالة من التبعية القانونية لصاحب العمل، ويحد من قدرته على تغيير عمله أو المطالبة بحقوقه، ويعرضه للتوقيف الإداري والغرامات والتسفير في حالات قد لا يكون مسؤولاً فيها عن المخالفة.

وبحسب ورقة سياسات أعدها المركز حول "أثر تصريح العمل وأذن الإقامة على الوضع القانوني للعمال المهاجرين"، فإن العمال المهاجرين يشكلون جزءاً أساسياً من سوق العمل الأردني، خصوصاً في قطاعات الزراعة والعمالة المنزلية والبناء، فيما يعتمد تنظيم وجودهم القانوني على منظومتين تشريعيتين، هما قانون العمل وقانون الإقامة وشؤون الأجانب.

وأشارت الورقة إلى أن ارتباط تصريح العمل الصادر باسم صاحب عمل محدد بإذن الإقامة يجعل فقدان أحدهما يؤدي عملياً إلى فقدان الآخر، الأمر الذي يمنح صاحب العمل سلطة واسعة على الوضع القانوني للعامل، ويحد من قدرته على الانتقال إلى وظيفة أخرى أو الوصول إلى العدالة عند تعرضه للاستغلال.

ووفق المركز، فقد أدت هذه العلاقة بين العمل والإقامة إلى تكريس نموذج يشبه نظام الكفالة، من خلال ارتباط الاستقدام وتجديد تصريح العمل ومنح الإقامة بصاحب العمل أو بالإجراءات الرسمية، وهو ما يخلق، بحسب الورقة، ثغرة هيكلية في الحماية القانونية للعمال المهاجرين.

إصلاحات حديثة لكنها لا تنهي المشكلة

ورصدت الورقة عدداً من التطورات التشريعية والإدارية التي شهدها الأردن خلال السنوات الأخيرة، بينها تعديلات نظام رسوم تصاريح العمل لعام 2025، التي خفضت الرسوم لبعض الفئات المهنية ذات المهارات، وأتاحت الانتقال إلى صاحب عمل آخر وفق ضوابط ودون موافقة صاحب العمل السابق.

كما أشارت إلى إلغاء شرط موافقة صاحب العمل على الإجازة المؤقتة لمغادرة المملكة، وإعادة تنظيم التعامل مع بلاغات "الفرار" من خلال التحقق من أسبابها، ومنع الإلغاء التلقائي للإقامة، ووضع حد لعدد البلاغات التي يمكن تقديمها.

وبحسب الورقة، أُعطي العامل كذلك مهلة تصل إلى 90 يوماً لتصويب وضعه والبحث عن عمل جديد قبل اتخاذ إجراءات التوقيف أو التسفير، إلى جانب حملات لتسوية أوضاع العمالة غير النظامية وتطوير منصة "حماية" لتلقي الشكاوى بعدة لغات.

ورأى المركز أن هذه الإجراءات تمثل خطوات باتجاه تقليل التبعية القانونية للعمال وتعزيز قدرتهم على التنقل في سوق العمل، لكنه اعتبر أن الحاجة لا تزال قائمة لإصلاحات تشريعية وإجرائية أوسع.

الغرامات والتوقيف والتسفير

وأثارت الورقة قضية ازدواجية العقوبات بين قانون العمل وقانون الإقامة وشؤون الأجانب، إذ يخضع كل من العامل وصاحب العمل لعقوبات مالية في حالات العمل دون تصريح أو إقامة سارية.

ووفق الورقة، يعاقب قانون العمل صاحب العمل بغرامات تتراوح بين ضعفي وأربعة أضعاف رسوم تصريح العمل، إضافة إلى تكاليف التسفير، في حين يفرض قانون الإقامة غرامات على العامل في حال عدم تجديد الإقامة أو العمل من دون إذن.

ويعتبر المركز أن المشكلة تكمن في تحميل العامل تبعات مالية وإدارية لمخالفات قد يكون صاحب العمل هو المسؤول عنها، خصوصاً في الحالات التي يمتنع فيها صاحب العمل عن تجديد التصريح أو لا يمنح العامل حقه في الإقامة.

وحذرت الورقة من أن هذه الازدواجية قد تؤدي إلى معاقبة الطرفين على المخالفة نفسها، رغم اختلاف مسؤوليتهما عنها، داعية إلى إعادة ترتيب المسؤوليات ومنع العقاب المزدوج.

وفي ما يتعلق بالتوقيف الإداري، قالت الورقة إن انتهاء تصريح العمل أو الإقامة قد يضع العامل في وضع قانوني مخالف، بما يفتح المجال أمام التوقيف أو التسفير، مشيرة إلى أن التوقيف الإداري قد يستمر إلى حين استكمال إجراءات الإبعاد.

وحددت الورقة مجموعة من المخاطر في النظام الحالي، من بينها عدم اشتراط تسبيب قرار التوقيف أو الإبعاد، وعدم تحديد مدة واضحة للتوقيف، وإمكانية استمرار العامل موقوفاً إلى حين إتمام إجراءات التسفير، إضافة إلى القيود المفروضة على عودته إلى الأردن وربط استكمال إجراءات الإبعاد بسداد الغرامات وتكاليف التسفير.

90 يوماً لتصويب الوضع

وأشارت الورقة إلى أن تعليمات استقدام واستخدام العمال المهاجرين توفر مهلة مؤقتة مدتها 90 يوماً لتصويب الوضع القانوني بعد انتهاء علاقة العمل، لكنها اعتبرت أن هذه المدة قد لا تكون كافية عملياً، خصوصاً مع اعتماد العامل على صاحب العمل السابق والإجراءات الإدارية.

وبحسب المركز، فإن بقاء العامل مرتبطاً بصاحب العمل في هذه المرحلة يزيد من هشاشته القانونية، وقد يرفع مخاطر الاستغلال، خصوصاً في القطاعات التي ترتفع فيها احتمالات العمل غير النظامي.

كما حذرت الورقة من أن استخدام التوقيف الإداري بصورة تلقائية يمكن أن يدفع بعض العمال إلى سوق عمل موازية منخفضة الأجور وغير منظمة، ويزيد مخاطر العمل القسري والاتجار بالبشر، إلى جانب الحد من قدرة الدولة على الرقابة والتحصيل الضريبي.

الضمان الاجتماعي أيضاً مرتبط بالوضع الإداري

وتناولت الورقة أثر الوضع القانوني على حق العامل المهاجر في الحماية الاجتماعية، مشيرة إلى أن استحقاق العامل لمستحقاته من الضمان الاجتماعي يرتبط عملياً بوضع تصريح العمل.

وبحسب الورقة، تشترط التعليمات الناظمة الحصول على "عدم ممانعة" لصرف المستحقات عند المغادرة النهائية خلال مدة محددة من انتهاء التصريح، وفي حال عدم الالتزام قد تُستوفى رسوم تصاريح بأثر رجعي، بما في ذلك حالات لم يسبق للعامل فيها الحصول على تصريح.

واعتبر المركز أن ربط الحماية الاجتماعية بالوضع الإداري للعمل يضع قيوداً عملية أمام استفادة العامل من حقوقه، ويثير تساؤلات حول مدى اتساق التطبيق مع المعايير الدولية التي تقوم على عدم التمييز وشمول الحماية الاجتماعية.

تجارب خليجية باتجاه مرونة أكبر

قارنت الورقة التجربة الأردنية بعدد من النماذج الإقليمية، مشيرة إلى إصلاحات في الإمارات والبحرين والسعودية وقطر وسلطنة عُمان اتجهت بدرجات مختلفة إلى تقليل ارتباط إقامة العامل بصاحب عمل واحد، وتوسيع إمكانية تغيير جهة العمل.

وأشارت إلى تجربة الإمارات في إتاحة انتقال العامل إلى جهة عمل أخرى وفق شروط، وتوفير ترتيبات تسمح بالبقاء القانوني لفترة بعد انتهاء العلاقة التعاقدية، كما تناولت تصريح العمل المرن في البحرين الذي أتاح لبعض الفئات العمل دون الارتباط بصاحب عمل واحد.

وفي السعودية، تناولت الورقة مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي أتاحت للعامل، وفق شروط محددة، تغيير العمل وإجراءات الخروج والعودة والخروج النهائي عبر منصة إلكترونية دون موافقة صاحب العمل.

كما أشارت إلى إلغاء قطر شرط موافقة صاحب العمل على تغيير جهة العمل أو الوظيفة، وإلى تعديلات في سلطنة عُمان تسمح بنقل الكفالة بشروط وتسهيل بعض إجراءات الإقامة المرتبطة بتصاريح العمل.

توصيات لفصل الإقامة عن العمل

ودعا مركز الفينيق إلى إجراء إصلاحات تشريعية وإدارية تفصل بصورة أوضح بين تصريح العمل وإذن الإقامة، وتمنح العامل فترة انتقالية كافية لتصويب وضعه دون أن يفقد إقامته بصورة فورية.

وتضمنت التوصيات التشريعية توحيد الأحكام المتعلقة بالعمل والإقامة لمنع ازدواجية العقوبات، وحماية العامل من التوقيف أو الإبعاد خلال فترة تصويب الوضع، وربط قرار التسفير بالمسؤولية الشخصية للعامل، مع إعفائه من المسؤولية عندما تكون المخالفة ناجمة عن فعل أو إهمال صاحب العمل.

كما أوصى المركز بتسهيل الطعن في قرارات التسفير والإبعاد، وإعفاء هذه الدعاوى من الرسوم واعتبارها مستعجلة، إلى جانب ضمان حصول العامل على المساعدة القانونية والاستشارة والتمثيل أمام الجهات المختصة.

وطالب أيضاً بتعديل المادة 15 من تعليمات العمال المهاجرين بما يتيح للعامل نفسه طلب إلغاء قرار التسفير وتحميل صاحب العمل المخالف المسؤولية المالية.

وعلى المستوى الإداري، أوصى المركز بإنشاء نظام وطني شامل لرصد بيانات تصاريح العمل والإقامات وحالات التسفير والتجاوزات، وتعزيز التنسيق بين وزارتي العمل والداخلية، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة للعمال المهاجرين.

كما دعا إلى وقف التوقيف الإداري التلقائي، واعتماد بدائل تسمح بتصويب الوضع القانوني، وتوفير مهلات كافية، إلى جانب تعزيز التوعية القانونية للعمال وأصحاب العمل وتطوير قدرات الكوادر المعنية في وزارتي العمل والداخلية.