كتّاب المقالات في الصحافة الأردنية يناقشون الحرب والأقصى وقرارات ترامب

شهدت الصحافة الأردنية نقاشاً واسعاً حول تطورات الحرب في المنطقة وتداعياتها السياسية والدينية والاستراتيجية، حيث تناول عدد من أبرز كتّاب المقالات قضايا متعددة تتراوح بين المخاوف المتعلقة بالمسجد الأقصى، وتحليل حسابات الحرب الأميركية ضد إيران، وصولاً إلى انعكاسات الصراع على المنطقة والعالم.

وتظهر المقالات التي نشرها كتاب الرأي في الصحف الأردنية صورة مركبة لمشهد إقليمي شديد الاضطراب، إذ تتقاطع فيه الاعتبارات الدينية والسياسية والاستراتيجية مع مخاوف من اتساع نطاق الحرب وتداعياتها.

الأقصى في قلب المخاوف

الكاتب ماهر أبو طير ركز في مقاله على ما وصفه بالمخاطر المتزايدة التي تهدد المسجد الأقصى في ظل أجواء الحرب، محذراً من أن إسرائيل تستغل كل ظرف سياسي أو عسكري لتعزيز سيطرتها على المقدسات الإسلامية في القدس.

ويقول أبو طير إن إسرائيل “أغلقت المسجد الأقصى مراراً منذ نشأة الاحتلال”، مشيراً إلى أن آخر إغلاق استمر اثني عشر يوماً خلال الحرب مع إيران في حزيران الماضي، قبل أن تعود اليوم إلى إغلاقه مجدداً بالتزامن مع إغلاق الحرم الإبراهيمي في الخليل.

ويرى أن هذه الإجراءات تعكس رسالة سياسية واضحة، إذ يكتب:

“إسرائيل تستغل أي ظرف من أجل أن تستهين بالمقدسات الإسلامية، وتثبت أن الأقصى تحت سيطرتها، تفتح المسجد وقتما تشاء وتغلقه وقتما تشاء”.

ويضيف أن الإغلاق هذه المرة جاء في شهر رمضان، ما يعني غياب صلاة التراويح وقيام الليل داخل المسجد، في وقت يسمح فيه “لخمسين شخصاً مسلماً فقط بأداء الصلاة في الحرم الإبراهيمي”.

ويحذر الكاتب من سيناريوهات أكثر خطورة، قائلاً إن إسرائيل تسرب “احتمالات هدم الأقصى”، بل إن بعض الأصوات الإسرائيلية تتحدث عن احتمال “هدم المسجد بصاروخ يتم نسبه إلى إيران”، معتبراً أن مثل هذه الطروحات قد تكون “تهيئة للهدم أو محاولة لإخافة إيران ومنعها من إطلاق الصواريخ نحو القدس”.

ويشير أبو طير إلى أن فكرة “الصاروخ المنسوب إلى إيران” ليست جديدة، إذ سمع بها خلال الحرب السابقة في حزيران، مضيفاً أن الأخطار لا تقتصر على هذا السيناريو، بل تشمل أيضاً احتمال “تفجير المسجد من داخل الأنفاق أو تلغيم هذه الأنفاق والتسبب بحادث أمني مروع”.

ويؤكد الكاتب أن “عين إسرائيل على المسجد الأقصى”، موضحاً أن الإجراءات الإسرائيلية تشمل التضييق الأمني والاقتصادي على سكان القدس وفرض الضرائب وهدم البيوت، في ظل ما وصفه بأنه “مناخ ما بعد السابع من أكتوبر 2023 الذي تعتبره إسرائيل أفضل مناخ لهدم الأقصى وشطب هوية مدينة القدس الإسلامية وربما المسيحية أيضاً”.

ويخلص أبو طير إلى أن القضية تتجاوز بعدها الديني، قائلاً:

“من ناحية سياسية فإن الحرم القدسي والمسجد الأقصى هو أهم هدف سياسي لإسرائيل، فالقصة ليست دينية وحسب، بل تستهدف هوية المدينة الإسلامية وإزالة أهم معلم إسلامي فيها”.

حسابات الحرب الأميركية

في سياق آخر، تناول الكاتب علاء الدين أبو زينة في مقاله سؤالاً محورياً يتعلق بالحرب على إيران: هل أخطأت إدارة الرئيس الأميركي في تقدير خصمها؟

ويستند أبو زينة إلى مقابلة مع الباحث الأميركي الإيراني ولي نصر، الذي يرى أن الخطأ الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يرتبط أيضاً بسوء فهم طبيعة النظام الإيراني.

ويكتب أبو زينة أن نصر يرى أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، رغم أهميته الرمزية، لم يؤد إلى شل الدولة الإيرانية، موضحاً أن النظام الإيراني “صُمم منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية ليكون نظاماً مؤسساتياً متعدد المراكز وليس نظاماً يعتمد بالكامل على شخص واحد”.

ويضيف أن مؤسسات مثل “الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي ومراكز القرار السياسية والدينية تشكل شبكة قيادة قادرة على الاستمرار حتى في حال فقدان القائد الأعلى”.

كما يلفت إلى اختلاف تعريف النصر بين أطراف الحرب، موضحاً أن الولايات المتحدة لم تحدد هدفاً استراتيجياً واضحاً منذ البداية، إذ “انتقل خطاب الإدارة الأميركية من البرنامج النووي إلى تغيير النظام ثم عاد إلى النووي ثم عاد مجدداً إلى إسقاط النظام”.

في المقابل، يرى أن إسرائيل تسعى إلى هدف أوسع يتمثل في إضعاف إيران إلى حد يمنعها من أن تكون قوة إقليمية مؤثرة، بينما تنظر إيران إلى الحرب باعتبارها “معركة وجودية”.

ويبرز في تحليل نصر مفهوم “تحمل الألم” كعامل حاسم في الحروب الحديثة، حيث يقول إن الحروب لا تحسم بالقوة العسكرية فقط، بل بقدرة الأطراف على تحمل الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية.

ويشير أبو زينة إلى أن إيران والكيان الإسرائيلي يمتلكان قدرة أعلى على تحمل الخسائر مقارنة بالولايات المتحدة، التي يبقى رأيها العام أقل استعداداً لخوض حروب طويلة في الشرق الأوسط.

دعوات لوقف الحرب

أما الكاتب رشاد أبو داود فيركز على ضرورة التفكير بعقل بارد بعيداً عن العاطفة في التعامل مع الحرب الدائرة، مشيراً إلى أن الأسئلة المطروحة حولها ما تزال أكثر من الإجابات.

ويكتب:

“هذه الحرب تتطلب التفكير بالعقل لا بالقلب، وبكلام بارد رغم سخونة أجواء المنطقة، فالأسئلة أكثر من الأجوبة”.

ويتساءل أبو داود عن كيفية نهاية الحرب ومن سيكون المنتصر أو المتضرر منها، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا القصف على إيران بذريعة أنها كانت “على وشك تصنيع سلاح نووي”.

لكنه يعلق على هذه الذريعة قائلاً إن عبارة “على وشك” لا تعني أن الفعل حدث فعلاً، وبالتالي “لا يستدعي الأمر إشعال حرب مدمرة ونتائج كارثية على طرفيها وعلى المنطقة العربية”.

ويشير الكاتب إلى أن الرئيس الأميركي تردد قبل اتخاذ قرار الحرب، لكنه خضع في النهاية لضغوط إسرائيلية ولوبيات سياسية في الولايات المتحدة.

كما يحذر من محاولات توسيع نطاق الحرب لتشمل دول الخليج، داعياً هذه الدول إلى عدم الانجرار إلى الصراع.

ويختم أبو داود تحليله بالإشارة إلى أن ترامب ربما يقترب من إنهاء الحرب، قائلاً إن الرئيس الأميركي قد يكون “على وشك النزول عن الشجرة ووقف الحرب تحت لافتة الانتصار”.

تحولات في الرأي العام العالمي

وفي زاوية أخرى من النقاش، تناول الكاتب سلطان الحطاب تطور المواقف العالمية تجاه إسرائيل، مستعرضاً تجربة حضوره احتفالاً ثقافياً في القاهرة حيث ناقش تاريخ الصحافة العربية وعلاقتها بالقضية الفلسطينية.

ويشير الحطاب إلى أن النقاش تطرق إلى مذكرات الرئيس الأميركي السابق هاري ترومان، التي تضمنت انتقادات حادة لليهود ونفوذهم السياسي.

لكن النقطة الأبرز في مقاله كانت ما صدر عن اتحاد الطلبة في جامعة أكسفورد، حيث جرى التصويت على قرار يعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري ومسؤولة عن إبادة جماعية.

ويكتب الحطاب أن القرار حظي بأغلبية واضحة بلغت 278 صوتاً، في واحدة من أبرز المناظرات السياسية في الجامعات الغربية.

كما نقل عن المفكر اليهودي نورمان فينكلشتاين قوله خلال المناظرة:

“عندما تنظرون إلى غزة اليوم ما ترونه ليس حرباً تقليدية بل تدمير مجتمع كامل”.

ويرى الحطاب أن ما حدث في أكسفورد يعكس تحولاً في المزاج السياسي لدى طلاب الجامعات الغربية، معتبراً أن النقاشات الأكاديمية أصبحت ساحة رئيسية لإعادة تقييم الصراع في الشرق الأوسط.

انتقادات حادة لإدارة ترامب

بدوره، وجه الكاتب علي سعادة انتقادات لاذعة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن قرار الحرب ضد إيران اتخذ بناء على نصائح غير مهنية.

ويكتب سعادة أن الرؤساء عادة يعتمدون على مجالس الأمن القومي والتقارير الاستخباراتية، “أما ترامب فلديه عائلة”، في إشارة إلى صهره جاريد كوشنر.

ويقول إن الرئيس الأميركي برر قراره بالحرب بقوله:

“بناء على ما قاله لي جاريد كوشنر ظننت أن إيران ستهاجمنا”.

ويرى الكاتب أن هذا يعكس ما وصفه بـ“المحسوبية في اتخاذ القرار”، مشيراً إلى أن الحرب الحالية قد تدخل التاريخ باسم “الحماقة الملحمية”.

ويضيف أن نتائج هذه السياسات قد تكون كارثية، ليس فقط على المنطقة بل على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد.

مشهد إقليمي مضطرب

تظهر هذه المقالات مجتمعة أن كتاب الرأي في الأردن يتعاملون مع الحرب الجارية باعتبارها لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، تتقاطع فيها المخاوف الدينية المرتبطة بالقدس مع الحسابات الاستراتيجية للحرب بين القوى الكبرى.

وبين التحذير من المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى، وتحليل توازنات الحرب، والدعوات إلى وقف التصعيد، تتشكل في الصحافة الأردنية قراءة نقدية للمشهد الإقليمي، تعكس القلق من تداعيات صراع قد يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط بأكمله.