حدس الأم قد يكون إشارة مهمة، لكن التشخيص يحتاج إلى الطبيب

ناقشت حلقة جديدة من برنامج «ماما زهيه» على راديو البلد سؤالاً يلامس تجربة كثير من الأمهات: هل يمكن أن تشعر الأم بأن طفلها ليس بخير، رغم أن كل شيء يبدو طبيعياً، ثم يتبين لاحقاً أن إحساسها كان في مكانه؟

الحلقة استضافت طبيبة الأطفال والأمراض المعدية الدكتورة ليندا أبو جابر، التي تحدثت من موقع يجمع بين الخبرة الطبية وتجربتها الشخصية كأم. وبحسب موقعها المهني، تحمل أبو جابر البورد الأمريكي في طب الأطفال والأمراض المعدية لدى الأطفال، إضافة إلى البورد الأردني في طب الأطفال، ولديها خبرة تمتد لأكثر من 30 عاماً.

بدأ النقاش من تجربة شخصية روتها مقدمة البرنامج زهيه الصالح، حين قالت إنها شعرت في إحدى المرات بأن طفلها ليس بخير، رغم عدم وجود علامة واضحة تستدعي القلق في تلك اللحظة. دفعتها تلك الغريزة إلى طلب فحص طبي، ليتبين وجود فيروس كان يمكن أن يشكل خطراً كبيراً على الطفل لو لم يُكتشف مبكراً.

لكن أبو جابر قدمت مثالاً من تجربتها الخاصة كأم، وقالت إن ولادة ابنها الأول كشفت لها أن المعرفة الطبية وحدها لا تجيب عن كل أسئلة الأمومة. فقد لاحظت على طفلها أعراضاً اعتقدت أنها مرتبطة بالارتجاع وربما بحساسية حليب البقر، لكنها في ذلك الوقت واجهت تشكيكاً من المحيط الطبي، حتى إنها اعترفت بأنها تجاهلت حدسها كأم لفترة طويلة.

هذه التجربة، بحسب حديثها في الحلقة، جعلتها أكثر إيماناً بأهمية الاستماع إلى الأمهات. وهي الفكرة التي تشكل محور الحلقة كلها، الأم لا تملك بالضرورة المعرفة الطبية التي يملكها الطبيب، لكنها تملك معرفة يومية دقيقة بطفلها، بطريقة نومه، وطعامه، ونشاطه، وسلوكه، وما يتغير فيه عندما يمرض.

وقدمت الطبيبة مثالاً آخر على أهمية ملاحظة الأم، عندما تحدثت عن طفلة جاءت بها والدتها إلى العيادة وهي مقتنعة بأن هناك شيئاً غير طبيعي رغم أن الفحص الأول لم يكشف مشكلة واضحة. طلبت الطبيبة من الأم العودة بعد يومين إذا بقي لديها الشعور نفسه. وبعد تكرار الفحص، ظهر صوت في قلب الطفلة، لتُحال إلى طبيب قلب أطفال، حيث تبين وجود حالة تحتاج إلى المتابعة.

وترى أبو جابر أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الأم على ملاحظة الأعراض، بل أيضاً بالعلاقة التي تجمعها بالطبيب. وانتقدت وجود حالة من عدم الثقة المتبادل بين بعض الأطباء والأمهات، معتبرة أن الطرفين يفترض أن يكونا فريقاً واحداً هدفه الوصول إلى أفضل تشخيص للطفل.

وقالت إن الأم يجب ألا تدخل عيادة الطبيب وهي تشعر بأنها في امتحان، كما أن الطبيب لا ينبغي أن يتعامل مع أسئلة الأم وكأنها محاولة للتشكيك في علمه. الأفضل، وفق ما طرحته، أن تضع الأم ملاحظاتها وتجربتها إلى جانب المعرفة الطبية للطبيب، حتى يصبح التشخيص أكثر دقة.

وشددت الحلقة على أهمية اختيار طبيب أطفال يمكن للأهل بناء علاقة ثقة معه. ونصحت أبو جابر الأمهات بطرح أسئلة واضحة قبل اعتماد الطبيب، من بينها خبرته وتدريبه، وموقفه من المضادات الحيوية، وطريقة تعامله مع مخاوف الأهل، ومدى استعداده للاستماع إلى الأسئلة ومناقشتها.

كما دعت الأمهات إلى كتابة الأسئلة قبل الذهاب إلى العيادة، لأن القلق والتوتر قد يجعلان الأم تنسى جزءاً كبيراً مما كانت تريد معرفته. ولفتت إلى أن التواصل الجيد مع الطبيب لا يعني بالضرورة الاعتماد على الرسائل الهاتفية طوال الوقت، بل يجب أن تكون الزيارة الطبية هي الأساس، مع الاتفاق مسبقاً على طريقة التواصل عند الحاجة.

وفي جانب آخر من الحلقة، تناولت الطبيبة عدداً من الحالات التي يمكن أن تواجهها الأمهات في المنزل، وشرحت أن تقييم حالة الطفل لا يعتمد على رقم واحد مثل درجة الحرارة، وإنما على عمر الطفل، والأعراض المصاحبة، ومستوى نشاطه، وقدرته على الأكل والشرب، ووجود علامات أخرى تستدعي التدخل الطبي.

وضربت مثالاً بالحمى عند الرضع، مشيرة إلى أن ارتفاع الحرارة لدى الطفل الأصغر من ثلاثة أشهر يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً، حتى لو بدا الطفل نشيطاً ويتناول الطعام. وأكدت أن التعامل مع الأطفال يختلف عن البالغين، وأن العمر يمثل عاملاً أساسياً في تحديد درجة الخطورة.

كما حذرت من التعامل مع المضاد الحيوي باعتباره الحل التلقائي لكل ارتفاع في الحرارة. وركزت على أن كثيراً من حالات الحمى لدى الأطفال تكون مرتبطة بعدوى فيروسية، وبالتالي فإن المضاد الحيوي لا يكون مفيداً فيها، بينما الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية قد يسهم في مشكلات تتعلق بمقاومة البكتيريا للمضادات.

وتطرقت الحلقة كذلك إلى حالة اليرقان عند حديثي الولادة، مؤكدة أهمية عدم تجاهل تغير لون جلد الطفل أو اصفراره، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع الخمول أو ضعف الرضاعة. وأوضحت أن ارتفاع مستويات البيليروبين بصورة كبيرة يمكن أن يكون خطراً على الدماغ، ما يجعل التقييم الطبي مهماً في مثل هذه الحالات.

المثير في الحلقة أن الحديث عن «الحاسة السادسة للأم» لم يتحول إلى دعوة لاستبدال الطبيب بالحدس. على العكس، كانت الرسالة الأساسية أكثر توازناً: ثقي بإحساسك، لكن لا تكتفي به.

الأم قد تلاحظ تغيراً صغيراً لا تراه العين الطبية في زيارة قصيرة، والطبيب يملك أدوات الفحص والتشخيص التي لا يمكن للحدس أن يحل محلها. الجمع بين الاثنين هو الذي يمكن أن يؤدي إلى قرار أفضل.

ودعت أبو جابر الأمهات إلى الابتعاد عن التشخيص اعتماداً على تجارب الجارات والأقارب ومجموعات الأمهات على مواقع التواصل، والبحث بدلاً من ذلك عن مصادر طبية موثوقة. وأشارت إلى الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ومنظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها كمراجع يمكن الرجوع إليها للحصول على معلومات صحية موثوقة.

وتنسجم هذه الرسالة مع ما تعرضه أبو جابر عبر منصتها المهنية، حيث تقول إن هدفها هو تقديم معلومات علمية ومهارات عملية للأمهات والآباء، مع التأكيد على أن المعلومات المتداولة عبر الإنترنت قد تكون متضاربة أو غير دقيقة. 

في نهاية الحلقة، اختزلت أبو جابر الفكرة برسالة واضحة للأمهات: لا تتجاهلن إحساسكن تجاه أطفالكن، لكن اجعلن الثقة مبنية على المعرفة، وليس على الخوف أو التجارب المتناقلة.

فالحدس قد يكون أول إشارة، لكنه ليس تشخيصاً. والطبيب قد يملك العلم، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يسمع الأم التي تعرف طفلها أكثر من أي شخص آخر.

وهذه ربما كانت أهم رسالة حملتها حلقة «ماما زهيه»: الأم والطبيب ليسا طرفين متنافسين، بل شريكان في حماية الطفل.