تحولات جيوسياسية كبرى: صعود محور إقليمي إسلامي يرعب نتنياهو

الرابط المختصر

يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة مع بروز ملامح محور إقليمي جديد يضم قوى إسلامية كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان. هذا التكتل الواعد، الذي يعتمد على التكامل العسكري والاقتصادي والسياسي، يهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وإدارة الأزمات داخليًا، بعيدًا عن التدخلات الخارجية. 

تثير هذه التطورات مخاوف عميقة لدى الاحتلال  الإسرائيلي، الذي يرى في هذا التحالف تحديًا لميزان القوى القائم، مما يدفع نتنياهو إلى البحث عن تحالفات مضادة.

تشكيل محور القوى: رؤية شاملة للتحالف الرباعي..بناء درع إقليمي من التكامل والتعاون

يُعد المحور الناشئ بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان تحالفًا استراتيجيًا ذا أبعاد متعددة، يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. هذا التكتل لا يمثل مجرد تجمع لدول، بل هو تكامل منهجي للقدرات الفريدة لكل دولة، مما يخلق قوة إقليمية قادرة على إدارة التحديات المعقدة والحد من التدخلات الخارجية.

تتوجت جهود تشكيل هذا المحور بزيارات رفيعة المستوى، مثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر في أوائل فبراير 2026. هذه الزيارات لم تكن مجرد لقاءات دبلوماسية عادية، بل وُصفت بأنها "مناورة جيوسياسية تأسيسية" تهدف إلى الانتقال بالعلاقات من مرحلة "التطبيع" إلى "الشراكات الاستراتيجية". يعكس هذا التقارب رغبة مشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وتحويل التحديات الإقليمية إلى فرص للتكامل.

تكامل الأدوار والقدرات

يتميز هذا المحور بتوزيع أدوار استراتيجي يعظم من قوة كل طرف:

تركيا: تساهم بقوتها العسكرية المتطورة، وهي ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وبصناعاتها الدفاعية المزدهرة.

المملكة العربية السعودية: تقدم الثقل الاقتصادي والقدرة المالية الهائلة، بالإضافة إلى مكانتها الدينية والسياسية في العالم العربي والإسلامي.

مصر: توفر الشرعية السياسية والعربية، وتتحكم في ممرات ملاحية حيوية مثل قناة السويس، ولها دور محوري في ملفات إقليمية كغزة والبحر الأحمر.

باكستان: تضيف الردع النووي، والعمق الاستراتيجي والصاروخي، مع شبكة واسعة من الروابط في العالم الإسلامي وجنوب آسيا.

هذا التكامل لا يقتصر على الجانب النظري، بل يترجم إلى مشاورات أمنية ودفاعية ملموسة، بما في ذلك إعداد مسودات لاتفاقيات ثلاثية تركز على الصناعات الدفاعية والتنسيق الدبلوماسي المشترك لإدارة الأزمات.

الأهداف الاستراتيجية للمحور الإقليمي

يسعى المحور الجديد إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تصب في مصلحة الدول الأعضاء والاستقرار الإقليمي بشكل عام. هذه الأهداف تتجاوز المصالح الفردية لتشكل رؤية جماعية لمستقبل المنطقة.

يهدف التحالف إلى ملء الفراغات الاستراتيجية التي قد تنشأ نتيجة لانسحاب أو تراجع قوى عالمية كبرى، مما يمنح المنطقة القدرة على إدارة شؤونها بنفسها. هذا النهج يقلل من الاعتماد على القوى الخارجية ويعزز من سيادة الدول الإقليمية.

يعمل المحور كـ"حزام أمان" يهدف إلى ردع أي محاولات لزعزعة الاستقرار في المنطقة. يتضمن ذلك حماية ممرات الطاقة والملاحة الحيوية، وتوفير مظلة أمنية تضمن تدفق التجارة العالمية وأمن الإمدادات. هذا الدور الوقائي يساهم في بناء بيئة إقليمية أكثر أمانًا وجاذبية للاستثمار.

من أهم أهداف هذا المحور هو إعادة "التملك الإقليمي"، بمعنى أن تُدار الأزمات والصراعات في عواصم المنطقة كأنقرة والرياض والقاهرة، بدلاً من واشنطن أو غيرها من العواصم الأجنبية. هذا التحول يعزز من استقلالية القرار الإقليمي ويسمح بحلول أكثر ملاءمة للظروف المحلية.

تخوفات إسرائيل وتصريحات نتنياهو

مع تزايد الحديث عن هذا المحور الإقليمي، تصاعدت المخاوف في إسرائيل بشأن تداعياته على أمنها ومصالحها الاستراتيجية. هذا القلق أثر بشكل مباشر على الخطاب السياسي الإسرائيلي، خاصة من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

تنظر إسرائيل بقلق بالغ إلى هذا التحالف، وتصفه بعض المصادر بأنه "محور سني نووي" معادٍ. تزداد هذه المخاوف من احتمالية تشكيل "ناتو عربي إسلامي" يضم دولًا إضافية مثل إندونيسيا، مما يمثل تحديًا كبيرًا للهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. يشكل امتلاك باكستان للسلاح النووي، بالإضافة إلى تنامي التعاون العسكري بين تركيا ومصر، تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل.

في ظل هذه التطورات، أعلن نتنياهو عن سعي إسرائيل لإعادة تشكيل تحالفاتها الإقليمية والدولية لمواجهة ما أسماه "المحور الجديد". تحدث عن بناء "منظومة تحالفات استراتيجية" تشمل دولًا عربية وآسيوية وأفريقية، بالإضافة إلى الهند واليونان وقبرص. وصف هذه المبادرة بأنها "تحالف سداسي الأضلاع" يهدف إلى مواجهة "الراديكالية" في المنطقة، ويضع إسرائيل في قلب شبكة تعاون اقتصادي وتكنولوجي وأمني. هذه التصريحات تعكس محاولة إسرائيلية لكسر عزلتها وتعزيز موقعها في وجه التحولات الإقليمية.

الأبعاد التاريخية والجيوسياسية للتحالف

لم يأت هذا التحالف من فراغ، بل هو نتاج عقود من التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الدول الأربع. يمكن تتبع جذور هذا التعاون في عدة مجالات تاريخية وجيوسياسية.

شهدت العلاقات بين تركيا ومصر والسعودية تقلبات تاريخية، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحسنًا ملحوظًا واندفاعًا نحو التقارب. على سبيل المثال، العلاقات السعودية-التركية كانت دائمًا قوية اقتصاديًا رغم بعض التوترات السياسية العرضية. أما العلاقات المصرية-التركية فقد شهدت تحسنًا كبيرًا مؤخرًا، مما أسهم في تشكيل مثلث قوى إقليمية يعمل على تهدئة التوترات وتعزيز الاستقرار.

يمثل المحور الإقليمي الناشئ بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان تحولًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية في الشرق الأوسط. هذا التكتل، القائم على التكامل المتعدد الأبعاد لقدرات هذه الدول، يهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وإدارة الأزمات بشكل مستقل. في المقابل، تثير هذه التطورات قلقًا عميقًا في إسرائيل، مما يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجياتها والبحث عن تحالفات مضادة. إن تداعيات هذا المحور على مستقبل المنطقة ستكون محورية، وقد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية بأكملها، مما يتطلب متابعة دقيقة للتطورات القادمة.