العفو العام على الطاولة مجدداً.. هل تنجح المطالبات هذه المرة؟

تجددت المطالبات بإصدار قانون عفو عام في الأردن، بالتزامن مع انطلاق الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، وسط نقاش مجتمعي واسع حول مدى ملاءمة هذه الخطوة في ظل ارتفاع معدلات الجريمة خلال الفترة الأخيرة، وما يرافقها من مخاوف تتعلق بالأمن المجتمعي.

وخلال برنامج "صوتك مسموع" الذي يبث عبر راديو البلد، أكد رئيس اللجنة الوطنية الأردنية للمطالبة بالعفو العام، سلطان اللويسي، أن اللجنة لا تطالب بإطلاق سراح مرتكبي الجرائم الخطيرة أو القضايا التي تمس أمن المجتمع، وإنما تدعو إلى عفو "منضبط" يشمل فئات محددة من المحكومين الذين لا يشكلون خطراً على المجتمع، وعلى رأسهم أصحاب قضايا الحق العام التي انتهت بالصلح العشائري والإسقاط الشخصي، إضافة إلى مرتكبي المخالفات البسيطة لأول مرة.

وقال اللويسي إن الجريمة لا يمكن ربطها بالعفو العام بصورة مباشرة، موضحاً أن الجرائم الكبرى يجب أن تبقى خارج أي عفو، وأن الدولة مطالبة في المقابل بتغليظ العقوبات على مرتكبيها، مؤكداً أن اللجنة تقف إلى جانب سيادة القانون وهيبة الدولة في مواجهة الجرائم الخطيرة.

وأضاف أن هناك "فهماً خاطئاً" لدى شريحة من المواطنين بأن المطالبين بالعفو العام يسعون إلى الإفراج عن القتلة أو تجار المخدرات أو أصحاب السوابق الخطيرة، مؤكداً أن هذا الأمر غير صحيح، وأن المطالبات تركز على من أنهوا الصلح مع المتضررين أو ارتكبوا مخالفات لا تهدد أمن المجتمع.

وأشار إلى أن قضايا كثيرة تبقى ضمن الحق العام حتى بعد إسقاط الحق الشخصي، رغم انتهاء الخلاف بين أطراف القضية، لافتاً إلى أن العديد من الأسر تحملت أعباء مالية كبيرة لإتمام الصلح العشائري ودفع التعويضات، بينما بقي المحكومون داخل السجون.

اكتظاظ السجون

واعتبر اللويسي أن الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل أصبح أحد أبرز المبررات لإقرار عفو عام جديد، مشيراً إلى أن التقديرات المتداولة تشير إلى وجود ما بين 31 و32 ألف نزيل داخل السجون، مع وصول نسب الاكتظاظ في بعض المراكز إلى أكثر من 200%، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن نسب تلامس 250%.

وقال إن هذا الواقع ينعكس على ظروف النزلاء الإنسانية، حيث تستوعب بعض الغرف أعداداً تفوق قدرتها الاستيعابية بأضعاف، إضافة إلى ما يشكله ذلك من كلف مالية مرتفعة تتحملها الدولة.

وأشار إلى تصريحات سابقة لرئيس محكمة أمن الدولة الأسبق الدكتور محمد العفيفي، تحدث فيها عن أن كلفة السجين الواحد قد تصل إلى ما بين 900 وألف دينار شهرياً، معتبراً أن استمرار الاكتظاظ يمثل عبئاً اقتصادياً إلى جانب أبعاده الاجتماعية والإنسانية.

"70% لم يعودوا للجريمة"

ورداً على المخاوف من عودة المفرج عنهم إلى ارتكاب الجرائم، استشهد اللويسي بدراسة قال إنها تناولت نتائج أحد قوانين العفو السابقة، وأظهرت أن نحو 30% فقط من المشمولين بالعفو عادوا إلى السجون، بينما لم يرتكب قرابة 70% أي جرائم جديدة.

وأضاف أن هذه النسبة تعكس إمكانية منح فرصة جديدة للمحكومين الذين أثبتوا استعدادهم للاندماج في المجتمع، مع إمكانية وضع شروط وضمانات تمنع تكرار الجريمة، مثل تشديد العقوبات على من يعاود ارتكاب المخالفات بعد الإفراج عنه.

قضايا المخدرات

وفي ملف المخدرات، دعا اللويسي إلى التمييز بين المتعاطين والتجار، معتبراً أن المتعاطين بحاجة إلى برامج علاج وتأهيل حقيقية، بينما يجب الإبقاء على العقوبات المشددة بحق كبار تجار المخدرات ومروجيها.

وأشار إلى أن بعض القضايا يتم فيها تصنيف شبان كمروجين رغم أن الكميات المضبوطة معهم محدودة، مطالباً بإعادة النظر في بعض الحالات التي تستحق المعالجة القانونية المختلفة.

القيود الأمنية والغرامات

وتطرق رئيس اللجنة الوطنية للعفو العام إلى ما وصفه باستمرار معاناة المحكومين حتى بعد انتهاء مدة العقوبة، بسبب القيود الأمنية التي تبقى مرتبطة بسجلاتهم، وتؤثر على فرص حصولهم على العمل أو استئجار المساكن أو ممارسة حياتهم الطبيعية.

كما دعا إلى معالجة ملف الغرامات المالية المتراكمة على بعض المحكومين، مشيراً إلى أن كثيراً منهم غير قادرين على سدادها بسبب الظروف الاقتصادية، رغم انتهاء فترة محكوميتهم.

أين وصل مشروع قانون العفو؟

سياسياً، كشف اللويسي أن اللقاء المرتقب بين رئيس لجنة الحريات العامة النيابية النائب رائد رباع الظاهرواي ورئيس الوزراء لا يزال قائماً، ويهدف إلى عرض مبررات المطالبة بالعفو العام وإيضاح الفئات المقصودة به.

وأكد أن اللجنة تعول على هذا اللقاء لإيصال صورة مختلفة للحكومة حول طبيعة المطالب، بعيداً عن الاعتقاد بأنها تشمل مرتكبي الجرائم الخطيرة.

من جهته، قال النائب باسم الروابدة، عضو كتلة حزب الأمة، إن مشروع قانون العفو العام الذي تقدمت به الكتلة، وأعده رئيسها النائب صالح العرموطي، لا يزال موجوداً في أدراج مجلس النواب ولم يُدرج على جدول الأعمال حتى الآن.

وأوضح الروابدة أن الدورة الاستثنائية الحالية لا تسمح دستورياً بإدراج قوانين جديدة خارج الإرادة الملكية التي دعت إلى انعقادها، إلا إذا صدرت إرادة ملكية جديدة تضيف مشروع القانون إلى جدول الأعمال.

وأضاف أن الكتلة ستتابع المشروع مع رئاسة مجلس النواب فور انعقاد الدورة العادية المقبلة، مؤكداً استمرار المطالبة بإقرار عفو عام.

مطالب بمعايير واضحة

وخلال الحوار، شدد المتحدثون على ضرورة أن يقوم أي قانون للعفو العام على معايير واضحة، تشمل القضايا التي انتهت بالصلح والإسقاط الشخصي، وأصحاب المخالفات البسيطة، ومن لا يشكلون خطراً على الأمن المجتمعي، مع استبعاد الجرائم الخطيرة وقضايا الإرهاب والمخدرات الكبرى والقتل العمد والاعتداءات الجسيمة.

ويرى مؤيدو العفو العام أن الخطوة يمكن أن تسهم في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون، وتقليل الأعباء المالية على الدولة، ومنح آلاف المحكومين فرصة جديدة للاندماج في المجتمع، بينما يطالب معارضو الفكرة بضرورة مراعاة الاعتبارات الأمنية وارتفاع معدلات الجريمة قبل اتخاذ أي قرار بهذا الاتجاه.

وفي ختام الحوار، جدد رئيس اللجنة الوطنية للمطالبة بالعفو العام مناشدته لإصدار عفو عام "موسع ومنضبط" يشمل من وصفهم بـ"المستحقين للعفو"، مؤكداً أن الهدف ليس التهاون مع الجريمة، وإنما منح فرصة ثانية لمن أنهوا خلافاتهم مع المجتمع، واستوفوا شروط الإصلاح، بما يعزز الاستقرار الأسري والسلم المجتمعي.